الصفحات

الخميس، 30 كانون الثاني، 2014

(سورية: حرب إعلامية على ضفاف بحيرة ليمان)

صحيفة اللوموند 30 كانون الثاني 2014 بقلم مراسلها الخاص في جنيف بنجامان بارت Benjamin Barthe

     يتكرر المشهد بعد ظهر كل يوم عندما يبدأ المؤتمر الصحفي للأخضر الإبراهيمي. بمجرد انتهاء وسيط المفاوضات حول سورية لكلامه في مقر الأمم المتحدة بجنيف، ترتفع غابة من الأيدي لتطلب الكلام. إن الكثيرين منهم هم صحفيون سوريون مؤيدون للأسد ومتلهفون لإسماع صوت دمشق أمام كاميرات العالم بأسره. تدور أسئلتهم دوماً حول "الإرهابيين"، وهي التسمية التي يُطلقها النظام على المتمردين، وحول الدول التي تمولهم مثل السعودية. تساءل الإبراهيمي بنبرة تتصنع السذاجة يوم الجمعة 24 كانون الثاني قائلاً: "ألا يوجد إلا الصحفيون السوريون في هذه القاعة؟"، عندما كان المؤتمر الصحفي يتحول إلى مسابقة لإظهار الحماس مع النظام.
     تكشف هذه اللعبة الصغيرة عن أشياء كثيرة حول الرهان الحقيقي لمؤتمر السلام حول سورية الذي يُراوح في مكانه منذ يوم الجمعة 24 كانون الثاني بعد افتتاحه في مونترو يوم الأربعاء 22 كانون الثاني. إذا كان الطرفان لا يعتقدان بإمكانية التوصل إلى اتفاق انتقالي خلال فترة قصيرة، وهو الهدف النظري للمفاوضات، فإنهما ينظران إلى هذه المواجهة باعتبارها فرصة لإحراز بعض النقاط على الساحة الإعلامية.
     من أجل هذه الغاية، استعانت المعارضة بالخدمات المهنية لبعض المستشارين البريطانيين في العلاقات العامة (Spin doctors) على نفقة وزارة الخارجية البريطانية. يُقيم هؤلاء المستشارون في فندق قريب من قصر الأمم، ويشاركون في بعض جلسات التفكير المخصصة لتحديد الرسائل اليومية الواجب إيصالها. أعربت الناطقة الرسمية رفيف جويجاتي عن قلقها من فكرة اعتبار هذا الدعم كتدخل خارجي في شؤون المعارضة، وقالت: "إنهم هنا فقط من أجل تقديم المشورة لنا". استعانت السلطات السورية سابقاً ببعض الخبراء الإعلاميين الأمريكيين، هل كررت هذه التجربة من أجل اجتماع جنيف؟ من المستحيل التحقق من ذلك. إن الأمر المؤكد هو أن دمشق أرسلت إلى ضفاف بحيرة ليمان حوالي أربعين صحفياً يقفون جميعهم إلى جانبها: إنهم بعض الموظفين في الأجهزة الرسمية مثل التلفزيون السوري Syria TV أو بعض وسائل الإعلام الخاصة الموالية لها مثل تلفزيون سما Sama TV أو صحيفة الوطن.
     بدأ هذا الوفد الثاني عمله فوراً عبر توزيع شريط فيديو DVD بعنوان مؤثر هو (الإرهاب ضد سورية) في قاعة الصحفيين في مونترو، وهو من انتاج الإذاعة والتلفزيون السوري. عندما قام وزير الخارجية وليد المعلم بإرباك الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي كان يطلب منه اختصار كلمته الطويلة، بدأ العديد من هؤلاء المراسلين الخاصين جداً بالتصفيق. قال أحد الصحفيين اللبنانيين: "لقد جاؤوا بأعداد كبيرة من أجل شغل المكان في المؤتمرات الصحفية. إنهم مراسلون مبتدؤون، ويقومون بنشر المعلومات الزائفة للنظام، ويراقبون بعضهم البعض. يجب التماس العذر لهم. إن سورية هي كوريا الشمالية".
     إن المواجهة بين الصحفيين من الجانبين متوترة جداً. نشبت عدة مشادات في قاعات قصر الأمم. كاد "الصحفيون" يتعاركون بالأيدي مع بعض أعضاء محطة الجزيرة القطرية في الساحة العشبية التي تتواجد فيها الكاميرات التلفزيونية، هذه المحطة التي تقود الهجوم ضد الأسد. ولكن النبرة كانت أكثر هدوءاً بكثير لدى الوفود، سواء لدى النظام الذي يواجه الجرائم الكبيرة المرتكبة من قبل القوات النظامية، أو لدى المعارضة التي تواجه الانتهاكات المرتكبة من قبل بعض الجهاديين في التمرد. إن المندوبين مجبرون على تحسين صورتهم، ويريدون أن يكونوا الناطقين الرسميين باسم المعاناة في سورية، مع التأكيد في الوقت نفسه على تصميمهم في متابعة رهان المفاوضات.
     قالت رفيف جويجاتي: "نحن سنبقى في جنيف لأن الأمر يتعلق بالشعب السوري. يتحدث النظام عن حماية عائلة ـ عائلة الأسد ـ ، ولكننا نتحدث عن حماية ملايين المواطنين". ولكن بثينة شعبان، المستشارة الإعلامية للرئيس السوري، ردت قائلة: "المشكلة ليست بشار، ولكن البلد. إن جميع السوريين يعانون".

     على الرغم من التصريحات الجميلة، ما زال النظام يعارض إيصال الطعام إلى الأحياء المحاصرة في حمص. إن الشيء الوحيد الذي اتفق عليه الطرفان بعد أربعة أيام من المشادات الكلامية هو الاستمرار في الجلوس وجهاً لوجه حتى يوم الجمعة 31 كانون الثاني على الأقل، أي موعد نهاية الجولة الأولى من المفاوضات.