الصفحات

الخميس، 30 كانون الثاني، 2014

(عندما يفرح بشار الأسد)

مجلة اللوبوان الأسبوعية 23 كانون الثاني 2014 بقلم مراسلها الخاص في جنيف أرمين عريفي Armin Arefi

     إنه مشهد ذو مغزى عميق. في افتتاح مؤتمر السلام حول سورية في جنيف، تجرأ وليد المعلم على تحدي الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون شخصياً. سأل بان كي مون بأدب وزير الخارجية السوري المهيب فيما إذا كان سيُنهي كلمته الطويلة قريباً، فجاءه رد صاعق من قبل وحش الدبلوماسية السورية بشعره الأبيض الممشط بعناية قائلاً: "أنتم تعيشون في نيويورك، وأنا أعيش في سورية. من حقي إعطاء وجهة النظر السورية هنا. إذاً، سأتابع حديثي عشرين دقيقة إضافية". ابتهج الوفد السوري، وظهر الذهول على وجوه ممثلي تسع وعشرين دولة مشاركة. تعرض رئيس الأمم المتحدة للإهانة.
     مضت فترة طويلة منذ الوقت الذي كانت الحكومات الغربية ـ وفي مقدمتها فرنسا ـ تراهن فيه على أن سقوط الرئيس السوري أصبح وشيكاً. كانت دمشق تشبه في شهر حزيران 2012 القلعة المحاصرة والمعقل الأخير للقوات النظامية التي تقاوم هجمات المتمردين الديموقراطيين. كان لوران فابيوس يؤكد قائلاً: "لا يستحق بشار الأسد أن يكون موجوداً على الأرض"، وكان مقتنعاً بأن الرئيس السوري سيشهد مصيراً مشابهاً لمصير معمر القذافي. كان الكثيرون في ذلك الوقت يعتبرون أن زعيم دمشق المحاصر من قبل المتمردين، ليس له إلا مخرج واحد هو الهرب مع عائلته العلوية إلى اللاذقية بحماية حليفة الروسي الدائم، واللجوء إلى الشاطىء المتوسطي الذي تملك البحرية الروسية قاعدة عسكرية فيه (في طرطوس).
     على الرغم من ذلك، لم يجر أي شيء كما كان متوقعاً. فاجأ بشار الأسد الجميع، واستطاع قلب الوضع لصالحه عن طريق طلب مساعدة إيران. إن الأسد الذي ينتمي إلى الطائفة العلوية، أقرب إيديولوجياً إلى رجال الدين الإيرانيين من قربه إلى شعبه ذي الأغلبية السنية. كانت طهران قد بدأت بمساعدة دمشق وإرسال المستشارين العسكريين والأسلحة منذ بداية الثورة، ثم أسرعت في خريف عام 2012 بإرسال مقاتلي حزب الله اللبناني لمساعدة النظام السوري. بالنسبة للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، لا يمكن أن يتصور إطلاقاً السماح بسقوط حجر الزاوية في سياسته الخارجية، أي المحور الشيعي طهران ـ بغداد ـ دمشق ـ بيروت، تحت الهيمنة السنية للسعودية التي تدعم المعارضة، وتمثل الخصم الأزلي للفرس.
     أصبحت المعارضة ضعيفة جداً اليوم أمام بشار. استطاع الجيش السوري الحر ـ الجناح المسلح للمعارضة المعتدلة تحقيق بعض الانتصارات العسكرية في البداية، الأمر الذي سمح له بتهديد النظام حتى أبواب دمشق، ولكنه لم يجد المساعدة إلا عبر السعودية وقطر اللتين يطغى عليهما التهديد الإيراني والخوف من رؤية الربيع العربي يصل إلى الخليج. لقد ألقت هاتان المملكتان النفطيتان بكل ثقلهما من أجل تمويل التمرد والسيطرة عليه. ولكن التمرد يحتاج إلى مساعدة الدول الغربية أيضاً، ولاسيما صواريخ أرض ـ جو. ولكن الدول الغربية ترتعد من فكرة وقوع هذه الأسلحة بأيدي الإسلاميين كما حصل في ليبيا، وبقيت واشنطن وباريس مكتوفتا اليدين.
     قال الدبلوماسي الفرنسي السابق فرانسوا نيكولو  François Nicoullaud (سفير سابق في إيران): "لم تفعل فرنسا أي شيء جدي من أجل رحيل الأسد. بل على العكس، سمحت بإضعاف الفرع الديموقراطي للمعارضة". كانت العقوبة فورية: استعاد الجيش النظامي مدينة القصير، وتوجه نحو حلب، وذلك بعد تعزيز قواته مع وصول مئات المقاتلين الشيعة من حزب الله اللبناني في ربيع عام 2013.
     إن ضعف الغرب هو الانتقام الآخر للأسد. وقع هجوم كيميائي واسع النطاق بغاز الساران على الأحياء  المتمردة في الغوطة في ليلة 21 آب 2013، الأمر الذي أدى إلى مقتل المئات. اتجهت جميع الأنظار إلى النظام السوري باعتباره الطرف الوحيد الذي يملك ترسانة كيميائية. وهكذا تم انتهاك  الخط الأحمر الذي لوّح به باراك أوباما قبل عام من هذا الهجوم، وبدأت السفن الحربية الأمريكية بالتحرك في البحر المتوسط. قال أحد الدبلوماسيين  الغربيين: "وصل الرعب إلى داخل النظام إلى درجة أن بعض المسؤولين قالوا لنا أنهم مستعدون للانشقاق". لم يكن أوباما لوحده، وأكد فرانسوا هولاند بعد الهجوم الكيميائي أنه مصمم على "معاقبة" الرئيس السوري. ولكن أحد الدبلوماسيين الفرنسيين خفف من حدة هذا الكلام قائلاً: "لم يكن الأمر يتعلق بإسقاطه، بل القضاء على المواقع العسكرية الاستراتيجية من أجل تغيير موازين القوى على الأرض". كان الرئيس الفرنسي ينتظر مكالمة هاتفية من نظيره الأمريكي من أجل إرسال طائراته إلى جانب السفن الأمريكية، ولكن هذه المكالمة لن تأت أبداً. إن انتصار الأسد هو الاتفاق الأمريكي ـ الروسي حول الأسلحة الكيميائية في سورية، هذا الاتفاق الذي رفعه من جديد إلى مستوى الطرف المحاور مع المجتمع الدولي. وهكذا، تفرّغ تماماً لتطوير نظريته حول المؤامرة الإرهابية.
     هذا هو انتقامه الثالث: تراجع المتظاهرون السلميون في بداية عام 2011 شيئاً فشيئاً، وأفسحوا المجال أمام الجهاديين الذين استفادوا من خبرتهم في حرب العصابات في العراق أو أفغانستان، ويملكون إمكانيات مالية كبيرة. مع مرور الوقت، تخلى المجتمع الدولي عن الجيش السوري الحر الذي تخلى عنه مقاتلوه أيضاً، وانضم بعضهم إلى صفوف جبهة النصرة ـ الفرع الرسمي لتنظيم القاعدة في سورية. ثم تعرض هؤلاء الجهاديون أنفسهم للمنافسة من قبل مجموعة أخرى هي الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام ـ الفرع العراقي لتنظيم القاعدة، وهي تتألف بشكل أساسي من المقاتلين الأجانب الذين يريدون إقامة الخلافة الإسلامية في المنطقة حتى العراق. قامت هذه المجموعة بالعديد من عمليات خطف الصحفيين والمعارضين "التاريخيين"، وفرضوا الرعب على جميع الأراضي التي استولوا عليها مستفيدة من تعاطف النظام إلى حد ما. والسبب في ذلك هو أنها حليفه الأفضل. وهكذا، بدأت الفصائل الإسلامية المتمردة الأكثر اعتدالاً "ثورة ثانية" في بداية شهر كانون الثاني من أجل القضاء على الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام. استفاد بشار الأسد من ذلك لكي يتقدم على الأرض، ولاسيما في حلب.
     يبقى "الانتصار" الأخير للنظام. تراجعت الإدانات في باريس ولندن وبرلين ضد القمع الذي يمارسه النظام بشكل عشوائي، وأفسحت المجال أمام قلق آخر هو: رحيل مئات الشباب الأوروبيين إلى سورية وانضمامهم إلى صفوف تنظيم القاعدة. وفجأة، عادت أجهزة الاستخبارات الأوروبية إلى طريق دمشق منذ بداية عام 2013. كان الرئيس القوي للأجهزة السورية علي مملوك يُطالب في كل لقاء باستئناف العلاقات الدبلوماسية مع دمشق كشرط مسبق. بدأت بعض الدول الغربية التفكير جدياً بإعادة افتتاح سفاراتها...

     إذاً، لم تكن دمشق مضطرة في مؤتمر جنيف إلا إلى تقديم تنازل "محدود" ووحيد هو: القبول بالسماح بخروج الأطفال والنساء من حمص التي يحاصرها الجيش منذ ستة أشهر، والتي يتعرض سكانها للتجويع، واضطروا إلى أكل الفئران. كما لو أن النزاع الذي أدى إلى مقتل مئة وثلاثين ألف شخص على الأقل وتسعة ملايين نازح خلال ثلاث سنوات، لم يسمح في النهاية إلا إلى شيء واحد هو: تعزيز قوة بشار الأسد...