الصفحات

الأربعاء، 8 كانون الثاني، 2014

(الحرب بين المتمردين تهدد التمرد ضد الأسد)

صحيفة الفيغارو 8 كانون الثاني 2014 بقلم مراسلها الخاص في دمشق جورج مالبرونو Georges Malbrunot

     ما زالت الحرب التي يشنها المتمردون السوريون على الجهاديين الأجانب بمعظمهم مستمرة لليوم الرابع على التوالي في المناطق المتمردة في شمال وشرق سورية. تقود الكتائب السلفية المتمردين السوريين، وما زالت تحقق بعض التقدم، ولكن الوقت ما زال مبكراً للحديث عن هزيمة الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام التابعة لتنظيم القاعدة والتي تعتقل الرهائن الفرنسيين.
     يتواجه في هذه الحرب الجديدة داخل الحرب معسكران كانا متحالفين حتى وقت قريب في المعركة ضد نظام بشار الأسد. إن الحدث الأساسي في هذا الصراع بين الإخوة هو تعرض الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام إلى الحصار منذ 48 ساعة في معقلها بالرقة التي سيطر عليها الجهاديون في الربيع الماضي. هناك ملاحظة هامة هي أن جبهة النصرة هي التي بدأت الهجوم، وهي مجموعة مرتبطة بتنظيم القاعدة وغالبيتها من السوريين الذين يريدون التخلص من الرعب وعمليات الترهيب التي ترتكبها الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام ضد السكان. اتسمت هذه المواجهات بالوحشية، وامتلأت شوارع الرقة بالجثث المغطاة بالأسود ـ لون الجهاديين ـ ، وتم الإفراج عن حوالي خمسين معتقلاً، ولكن ما زال هناك المئات من المعتقلين الآخرين في سجون الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام.
     بدأ الجهاديون الذين يتحدثون عن "خيانة" بالقيام بعمليات انتحارية ضد بقية المعارضين لبشار الأسد من أجل الدفاع عن أنفسهم، وهذا ما حصل في مدينة دركوش بالقرب من إدلب وفي حلب التي تعرضت فيها حواجز المتمردين لهجمات "مجانين الله". إن حصيلة أعمال العنف في الأيام الأربعة كبيرة: قُتِل 129 متمرداً و46 مدنياً من جهة، و99 جهادياً من الجهة الأخرى.
     دعا رئيس جبهة النصرة إلى وقف إطلاق النار من أجل "إنقاذ الوضع"، قال أبو محمد الجولاني على تويتر: "دفعنا هذا الظرف السيء إلى المبادرة بهدف إنقاذ الوضع. تتضمن هذه المبادرة تشكيل لجنة مبنية على القانون الإسلامي، وتضم جميع الكتائب الهامة... ، ووقف إطلاق النار... ، وتبادل الأسرى، وإعطاء الأولوية للمعركة ضد النظام".
     خسر مجرمو تنظيم القاعدة العديد من القرى ونقاط المراقبة، ولكنهم لم يُهزموا حتى الآن. هل سيوافقون على وقف إطلاق النار من قبل حليفهم السابق جبهة النصرة؟ ربما قامت الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام بإرسال التعزيزات إلى حلب. تساءل ممثل الأمم المتحدة في دمشق مختار لماني قائلاً: "هل يستطيعون شن الحرب على جبهتين في وقت واحد، في سورية والعراق الذي يسيطرون فيه على الفلوجة وبعض أحياء الرمدي؟".
     إذا كان بعض عناصر الميليشيات الجهادية قد يختارون الانسحاب إلى الجانب الآخر من الحدود، فإن البعض الآخر منهم اتخذ قراره بالتفاوض حول الانضمام إلى جبهة النصرة، ولاسيما في حلب. من الممكن التنقل بين الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام وجبهة النصرة التي تمثل تنظيم القاعدة في سورية، وذلك بعد قيام رئيس الحركة الإرهابية العالمية أيمن الظواهري بدعم جبهة النصرة. إن العامل المحلي هام جداً كما هو الحال غالباً في النزاع السوري. قال أحد المراقبين: "قامت جبهة النصرة والدولة الإسلامية بتنسيق هجومهما قبل شهر ضد عدرا بالقرب من دمشق". ماذا ستفعل هاتان المنظمتان اليوم في عدرا أو في المناطق السورية الأخرى التي يتعاونان فيها؟ أضاف أحد المحللين قائلاً: "هناك توجهات عامة تفرض نفسها على القيادات المحلية، وهذه التوجهات محددة من قبل عرابي المتمردين ولاسيما السعودية بصفتها الممول الأول لهم ومصدر الأسلحة المرسلة إلى التحالف الجديد ضد تنظيم القاعدة".
     هناك أمر مؤكد في الغموض السائد بهذه المعارك: من المفترض أن تكون جبهة النصرة الفائز من إعادة توزيع الأوراق داخل التمرد بفضل دور الحكم الذي تقوم به. ولكن المشكلة تكمن في أن هذه المنظمة مدرجة على اللائحة الأمريكية للمنظمات الإرهابية. إذاً، لن يكون بإمكانها القيام بدور في العملية الانتقالية التفاوضية خلال مؤتمر جنيف بتاريخ 22 كانون الثاني، إلا إذا استطاعت قيادتها التي تعارض أي تفاوض أن تتفاهم مع بعض قادتها المحليين الذين يسألون الأطراف الغربية التي تتحاور معهم: "ما العمل للخروج من اللائحة السوداء؟".

ـ بعد تفكك المتمردين المعتدلين في الجيش السوري الحر، ما زال هناك عمل أمام بقية المتمردين للابتعاد عن الفصائل الإسلامية الراديكالية وإرضاء عرابيهم الغربيين. ولا شك أن النظام لن يساعدهم في ذلك. إن طائراته تكتفي بقصف مواقع الجهاديين بالقرب من الحسكة التي لجأ إليها العديد من عناصر الميليشيات التابعة لتنظيم القاعدة. بهذه الطريقة، تساعد دمشق حلفائها المقاتلين الأكراد في هذه الحرب ذات الجبهات المتعددة.