الصفحات

الأحد، 26 كانون الثاني، 2014

(الأنترنت، وسيلة تجنيد الجهاديين إلى سورية)

صحيفة الفيغارو 25 كانون الثاني 2014 بقلم كريستوف كورنوفان Christophe Cornevin

     أصبح الأنترنت أكثر من أي وقت مضى أفضل وسيلة لتجنيد الجهاديين الأوروبيين وإرسالهم إلى سورية. وصل غسيل الأدمغة إلى ذروته، ولاسيما في بعض المواقع الإسلامية التي تحض قراء الأنترنت على الحقد عن طريق نشر صور الجثث والجوامع المهدمة (800 جامع).
     قال الرئيس السابق للإدارة العامة للاستخبارات الخارجية الفرنسية (DGSE) آلان شويت Alain Chouet: "يقوم الأنترنت منذ عدة سنوات بتغيير كامل الجوهر الفكري الجهادي الذي تختلط فيه جميع الأحلام الخيالية وطرق صناعة القنبلة وهذيان العودة إلى العصر الذهبي للسلفية والموت والشهادة. بالنسبة للمتطوعين المتشبعين برومانسية الكتائب  الجهادية العالمية، إن سورية هي السبب الرائع. إن الذهاب إلى سورية سهل: يكفي ركوب الباص من باريس إلى استانبول، ولاسيما أن الأوروبيين ليسوا بحاجة إلى تأشيرة دخول، ثم الوصول إلى الحدود السورية ـ التركية والبنى التحتية العديدة التي بناها المتمردون هناك".
     لا يمكن تحديد الصفات المشتركة للجهاديين بدقة، ولكن الخبراء يتفقون على الحديث عن شباب تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عاماً، وغارقين في الضواحي التي تؤجج فيهم انزعاجاً عميقاً يستفيد منه الناشطون الإعلاميون ومجانين الله على الأنترنت. قال الباحث في مجموعة الأبحاث والدراسات حول البحر المتوسط والشرق الأوسط (Gremmo) هاويز سينيغر Haoues Seniguer: "يستطيع أي شخص بفضل الأنترنت الوصول مباشرة إلى مشاهد حربية لا يمكن التأكد من صحتها كلياً، وتؤثر على عقول الذين يمكن التلاعب بهم. عندما يختلط كل ذلك مع خطاب مذهبي يدعي الشرعية، فإن قارئي الأنترنت الذين يفتقدون لنظرة انتقادية ينتابهم إغراء قرار خطير لا  يمكن العودة عنه".
     تترافق خطورة الخطاب المذهبي مع تقدمه بشكل خفي. هناك العديد من المواقع الإسلامية الراديكالية على الأنترنت التي تدعو بصراحة إلى التمجيد بالجهاد مثل موقع أنصار الحق الذي يضم لوحده أربعة آلاف عضو منهم 685 عضو ناشط، يقف وراء مثل هذه المواقع عدد كبير من الدعاة الإسلاميين الذين يقدمون أنفسهم كـ "معتدلين"، ويصغي إليهم عدد كبير من المسلمين، ويصبح خطابهم راديكالياً عندما يتطرقون إلى الوضع السوري. هذا هو الحال بالنسبة للشيخ يوسف القرضاوي الذي يمثل مرجعاً مذهبياً حقيقياً للإسلام السني، ويقدم برنامجاً بعنوان (الشريعة والحق) على تلفزيون الجزيرة، كما أنه مفتي قطر ومقرب من طارق رمضان، ويبث بمكر دعاية مضللة وعنيفة، وقال في إحدى خطبه الأخيرة بوضوح: "أصبح الجهاد في سورية واجباً على كل مسلم... إن الحصول على موافقة الوالدين ليست ضرورية في هذه الحالة".
     تقوم الشرطة بفتح ملفات للكثير من الجهاديين، وتعتقل حفنة من المتوهمين بعد عودتهم، وجُرِح بعضهم في معسكرات التدريب في تركيا قبل الوصول إلى سورية. قال هاويز سينيغر: "إنهم معزولون في الأحياء الشعبية، ولا يتحدثون اللغة العربية، ومعرفتهم الدينية معدومة أو شبه معدومة، يذهب هؤلاء المقاتلين المبتدئين إلى الجهاد في محاولة لاختلاق هوية جديدة إيجابية قائمة على الوهم، أي هوية القضية الإسلامية النبيلة التي يمكن أن تصل حتى الشهادة".
     هناك 12 قاصر فرنسي على الأقل انضموا إلى صفوف هؤلاء الجنود الضائعين، إنهم لا يمثلون إلا الجزء البارز من جبل الثلج. في بداية شهر كانون الأول، حذر وزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس Manuel Valls مع نظيره البلجيكي جويل ميلكيه Joïlle Milquet من تجنيد الشباب الأوروبيين من قبل منظمات مقربة من تنظيم القاعدة في سورية، وقدّرا أن عددهم يتراوح بين 1500 و2000، وقال مانويل فالس: "هذه الظاهرة تُقلقني، وهي تمثل بالنسبة لي أكبر خطر يجب أن نواجهه في السنوات القادمة".
     لم تدق أجهزة الاستخبارات جرس الإنذار الأحمر في الوقت الحالي، لأن أغلب الجهاديين الفرنسيين ما زالوا يغادرون فرنسا. ستظهر المؤشرات الخطيرة بعد نهاية الحرب، ولاسيما إذا خرج الأسد منتصراً. تنبأ أحد الخبراء بهذه المنطقة قائلاً: "سيعود المقاتلون المتطوعون الـ 250 إلى فرنسا مع الشعور بالمرارة والعطش للانتقام، وسيقومون بتحميل الدول الغربية أسباب جميع المصائب، ولاسيما عدم تدخلهم عسكرياً في دمشق". إذا اعتبرنا أنه يجب تعبئة خمسة عشر شخصاً لمراقبة أحد المشتبه بهم أربعة وعشرين ساعة يومياً، فإن عدد الموظفين الفرنسيين للتجسس المضاد البالغ عدهم ثلاثة آلاف سيكون كافيا بشق الأنفس. إن أخطاء الشرطة في ملاحقتها لمحمد المراح قبل المجزرتين في مدينتي تولوز ومونتوبان الفرنسيتين تؤكد أن مراقبة الجهاديين صعبة.