الصفحات

الأحد، 12 كانون الثاني، 2014

(لجوء الجهاديين إلى تركيا بعد أن طردهم المتمردون السوريون)

صحيفة اللوموند 12 كانون الثاني 2014 بقلم مراسلها الخاص في الريحانية غيوم بيرييه Guillame Perrier

     لم ينتبه (مصطفى ـ 22 عاماً) إلى آذان صلاة الجمعة عندما كان جامع الريحانية المركزي يمتلىء بالمصلين يوم الجمعة 10 كانون الثاني، كان يمسك بيد زوجته التي تلبس نقاباً وقفازاً، ولا يظهر منها إلا عينيها. مصطفى هو شاب تونسي ذو لحية طويلة ويلبس بنطالاً عريضاً وصدرية مليئة بالجيوب من القماش المموه، كان يتمتع بلحظة من الهدوء أثناء التسكع في أحد الشوارع التجارية. كان مصطفى في سورية قبل يوم واحد.
     كان مصطفى يقاتل منذ سبعة أشهر في صفوف الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام (داعش)، وهي مجموعة جهادية مقربة من تنظيم القاعدة وتضم عدداً من المتطوعين الأجانب الذين جاؤوا للمشاركة في الحرب ضد نظام بشار الأسد. ولكن داعش تعرضت إلى خيبات كبيرة في شمال سورية. واجه رجال داعش من حلب إلى دير الزور نيران تحالف المتمردين المكون من الجيش السوري الحر والجبهة الإسلامية ومجموعة جهادية أخرى هي جبهة النصرة. أدت المعارك إلى مقتل أكثر من خمسمئة شخص خلال عشرة أيام. تم طُرد مقاتلي داعش من قاعدتهم في حلب، وهم محاصرون في الرقة التي سيطروا عليها خلال عدة أشهر، وبدؤوا بالانسحاب باتجاه الحدود التركية. تمت محاضرة قرية الدانا السورية التي كانت القاعدة الخلفية لمقاتلي داعش. استفاد مصطفى من تشتت المقاتلين من أجل الهروب مع زوجته التي جاءت لتنتظره في الجانب التركي، ويريد الآن أن يستقل الطائرة لكي يعود إلى تونس بأقصى سرعة.
     قال (ياسين): "لا أحد يترك الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام. إن ذلك مثل تغيير الدين، ونتيجته هي الموت". إنه يعرف ماذا يقول، لأنه تخلى عن الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام مع كتيبته بأكملها للانضمام إلى لواء الإسلام، وهي مجموعة سلفية تتلقى الدعم من السعودية. ياسين هو سوري من  دير الزور، ويُقيم منذ عدة أسابيع في فندق بمركز مدينة الريحانية، ولا يريد العودة إلى خط الجبهة لكي لا يخاطر بمواجهة رفاقه بالسلاح سابقاً. قال ياسين: "لا يمكن أن أقتل إطلاقاً أخواني. إن عدونا هو بشار الأسد. ولكن أهدافهم مختلفة، إنهم هنا من أجل إقامة الخلافة الإسلامية".
     التقى ياسين بمقاتلين من جميع الجنسيات في صفوف الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام ، وقال: " إنهم من دول الخليج واليمن ومصر والمغرب وبريطانيا وفرنسا وبلجيكا... والكثير من السلفيين الأوروبيين، والبيض الذين اعتنقوا الإسلام. ولكن في دير الزور، جاء العدد الأكبر منهم (62 شخصاً) من أذربيجان. اليوم، انضم الكثيرون منهم إلى مجموعات أخرى مثل جبهة النصرة، أو انشقوا عنها".
     يتزايد عدد المقاتلين الجهاديين الهاربين أكثر فأكثر في منطقتي أنطاكيا وأورفا (Urfa)، ولاسيما في المدن التركية الحدودية في كيليس (Kilis) والريحانية التي تضاعف عدة سكانها ثلاث مرات منذ بداية الحرب، وأصبحت بمثابة قاعدة خلفية. انهالت المكالمات الهاتفية على الحكومات الأوروبية من قبل العائلات التي لا تعرف شيئاً عن أبنائها. في الوقت نفسه، يستمر وصول المتطوعين، وهذا ما أكده أحد العاملين في مطار هاتاي. تصل مجموعات صغيرة من المقاتلين الأجانب القادمين من استانبول صباح كل يوم. قال العامل في مطار هاتاي: "إنهم ثلاثة أو أربعة، وأحياناً أكثر. جاء ثلاثون شخصاً من ألمانيا في أحد الأيام. تستطيع السلطات التركية بسهولة منعهم من الوصول". ولكن الجيش السوري الحر سيطر على جميع المناطق الحدودية منذ ثلاثة أيام، وأصبح العبور من تركيا إلى الجبهة أكثر صعوبة بكثير بالنسبة للجهاديين. لقد تم إبعاد الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام من تل أبيض إلى جنوب Akçakale، كما تم إبعادها من باب الهوى إلى الريحانية.

     يتم استخدام بعض الفنادق المليئة باللاجئين كمراكز للالتحاق بالجهاديين الذين يتوقفون في الريحانية. في أحد هذه الفنادق، وهو بناء أحمر اللون، تم إجراء بعض التعديلات على مدخله لفصل النساء عن الرجال، وقد غادرته مجموعة من المصريين و اليمنيين يوم الأربعاء 8 كانون الثاني. شاهدنا مقاتلين أجنبيين اثنين على مقربة من هذا الفندق، وهما يدخلان إلى أحد المصارف. كان أكبرهما سناً يرتدي بنطالاً قصيراً وقلنسوة رجال الدين، وينظر إلى الآخرين بحذر. كان رفيقه حليق الرأس وطويل اللحية، ويحمل حقيبة شبيهة بحقائب ماركة (Vuitton)، ويظهر أنه أكثر لطافة. يحمل هذان الرجلان الجنسية البريطانية، ويريدان مغادرة الريحانية "بأسرع وقت" بعد أن تاها في المنطقة لمدة ثلاثة أسابيع. يبدو أن العشرات مثلهما يدخلان إلى المصرف بشكل دائم، لقد دخلا إلى المصرف لاستلام الأموال المرسلة من أقاربهما لدفع ثمن بطاقة الطائرة والعودة إلى لندن. قال الأصغر سناً بينهما بلغة انكليزية ممتازة: "لم نتمكن من دخول سورية. إن نقاط العبور معقدة جداً في هذا الوقت. كنا على اتصال مع منظمة إنسانية تركية اسمها IHH. كان من المفترض أن تقوم هذه المنظمة بإدخالنا عبر الحدود في سيارة إسعاف، ولكن ذلك لم ينجح". هناك شكوك حول هذه المنظمة الإسلامية التركية غير الحكومية التي يوجد مقرها في استانبول. وهي متهمة دوماً بإقامتها علاقات مشبوهة مع المقاتلين الأكثر راديكالية. قامت الشرطة التركية بتوجيه الاتهام إلى هذه المنظمة (IHH) في نهاية شهر كانون الأول بعد أن قيامها بتفتيش إحدى الشاحنات بالقرب من الريحانية. من الناحية الرسمية، كان هذه الشاحنة تنقل مساعدة إنسانية. أشارت الصحافة التركية إلى أن هذه الشاحنة كانت مليئة بالأسلحة والذخيرة. نفت منظمة IHH أية علاقة لها مع هذه الشاحنة، وأكدت أنها قامت باستئجار 35 شاحنة مساعدة باتجاه سورية منذ الأول من شهر كانون الثاني.