الصفحات

الثلاثاء، 14 كانون الثاني، 2014

(الوجه الجديد للتمرد السوري)

صحيفة الفيغارو 14 كانون الثاني 2014 بقلم مراسلها الخاص في دمشق جورج مالبرونو  Georges Malbrunot

     إنهم أقل جهادية، وأقل اعتدالاً، ولكن أكثر سلفية. هذا هو الوجه الجديد الذي يتشكل للتمرد ضد بشار الأسد. في الكواليس، تقوم السعودية بتشكيله، وهي التي ترعى الجبهة الإسلامية بصفتها القوة المهيمنة في هذا التمرد بدلاً من المقاتلين المعتدلين والمهزومين في الجيش السوري الحر. ولكن هذه الجبهة التي تضم حوالي 12 عشرة كتيبة أصولية، يجب عليها مواجهة العديد من التحديات قبل الحصول على دعم الدول الغربية والانتصار على الجهاديين في الحرب المعلنة وغير المضمونة ضدهم منذ عشرة أيام في شمال وشرق سورية.
     يبلغ عدد رجال الجبهة الإسلامية ستين ألف رجل، وحققوا بالتأكيد تقدماً في منطقتي إدلب وحلب في مواجهتهم ضد حوالي عشرة آلاف أو خمسة عشر ألفاً من جهاديي الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام التابعة لتنظيم القاعدة. ولكن هؤلاء الجهاديين المتمرسين بالحرب بعد عدة سنوات من الحرب المقدسة في العراق والشيشان وأفغانستان، استعادوا مؤخراً جزءاً كبيراً من الأراضي التي خسروها في معقلهم في الرقة وبقية المدن الأخرى على الحدود التركية. لم يتردد "مجانين الله" بتفجير السيارات المفخخة ضد إخوانهم السابقين في السلاح وليس ضد مؤيدي الأسد. أدت هذه الصراعات الداخلية إلى مقتل أكثر من 700 شخص خلال أسبوع: 250 لدى الجهاديين و300 لدى بقية المتمردين وعشرات المدنيين. تصب هذه الحصيلة الثقيلة في مصلحة النظام الذي يراقب في معظم الأحيان أعداءه وهم يتقاتلون ضد بعضهم البعض.
     يسعى قادة الجبهة الإسلامية إلى تعديل ميثاقهم التأسيسي لكي لا يُثيروا خوف الدول الغربية، وذلك بعد أن استولوا بتاريخ 6 كانون الأول على مركز قيادة الجيش السوري الحر ومستودعاته للأسلحة في أطمة بالقرب من الحدود التركية. قال وسيط على اتصال مع هؤلاء القادة السلفيين: "لا ديموقراطية، إسلام متشدد مبني على الشريعة الإسلامية هذه هي لغة تنظيم القاعدة". ابتهج النظام قائلاً: "انظروا إلى ما ينتظر سورية!". أدركت الجبهة هذا الخطأ، وبدأت تعمل على كتابة "خارطة طريق" جديدة. قال أحد قادة الجبهة: "لم يفهمنا المجتمع الدولي بشكل جيد. سنقول لكم ماذا نريد عبر استبعاد بعض العناصر من ميثاقنا"، واعترف بأنه استعان "ببعض الخبراء من دولة صديقة"، ولا شك أنهم خبراء سعوديون.
     كان السفير الأمريكي روبرت فورد المكلف بالملف السوري في وزارة الخارجية الأمريكية حزيناً ولكن واقعياً، إنه يسعى بقوة إلى استئناف الاتصال مع المجموعات السلفية المسلحة التي ترفض ذلك حتى الآن. قال دبلوماسي أوروبي: "إنهم لا يريدون مؤتمر جنيف 2". تحتاج الولايات المتحدة إلى محاورين جدد يتمتعون بنفوذ حقيقي على المتمردين وقادرين على فرض احترام وقف إطلاق النار من أجل إطلاق عملية انتقالية تفاوضية للسلطة اعتباراً من 22 كانون الثاني. أضاف الدبلوماسي الأوروبي المذكور قائلاً: "يعمل الأمريكيون على إقناع السعوديين الذين يرسلون السلاح والمال إلى الجبهة، بإدخالهم في الرهان السياسي".
     ولكن الكتائب الأصولية المختلفة مثل جيش الإسلام وأحرار الشام وصقور الشام ولواء التوحيد ليست متفقة بالضرورة فيما بينها. قال ممثل الأمم المتحدة في دمشق مختار لماني: "لا تنسوا صفة هامة للنزاع: أي استقلالية المجموعات المسلحة. يرتاب الزعماء من الذين يصدرون الأوامر. عانى البعض منهم كثيراً في البداية. قامت قطر بتجويعهم بذريعة أنهم يرفضون الدخول في الرهان".
     تعتمد نتيجة هذه المعركة داخل التمرد بشكل كبير على طرف ثالث هو جبهة النصرة القوية، وهي الممثل الرسمي لتنظيم القاعدة في سورية. يتردد مقاتلو جبهة النصرة (15000 رجل) غالباً بين ولائهم الجهادي والصداقات المحلية القوية وبعض الاحترام الذي يجب الحصول عليه من الجبهة الإسلامية. تعاونت كتائب الجبهة الإسلامية في أغلب الأحيان مع جبهة النصرة من أجل الهجوم على الجيش النظامي، كما حصل خلال الهجوم على عدرا التي تحاصرها القوات النظامية منذ عدة أسابيع.
     من الناحية النظرية، إن جبهة النصرة والأغلبية الساحقة للمتمردين السوريين فيها هم أكثر قرباً من الجبهة الإسلامية بالمقارنة مع الجهاديين الأجانب الذين يخطفون ويقتلون بشكل أعمى ويفرضون على السكان الشكل الأكثر ظلامية من الإسلام. ولكن مختار لماني قال: "يجب ألا ننسى أن الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام هي التي مولت جبهة النصرة في البداية"، وأشار إلى أن العودة القوية للجهاديين يمثل مؤشراً على أنهم ما زالوا يستفيدون من دعم كبير من قبل حلفائهم السابقين.
     حذر دبلوماسي أممي قائلاً: "جبهة النصرة هي تنظيم القاعدة الذي يتأقلم مع الوضع. إن إستراتيجيتها النهائية هي نفس إستراتيجية الدولة الإسلامية، ولكن مع بعض التعديلات البسيطة من أجل تحقيق هذه الإستراتيجية". أعلنت جبهة النصرة ولاءها إلى رئيس تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، ثم قامت بشكل موازي بتعزيز جيش الإسلام الذي يمثل أهم الكتائب السلفية داخل ما سيصبح لاحقاً الجبهة الإسلامية. الهدف هو أن هذه الواجهة تحميها من عواقب إدراجها على اللائحة السوداء للولايات المتحدة. هل سينخدع الغربيون بهذه الحيلة، ولاسيما أنهم يترددون حيال تسليح هذا المزيج المعقد الذي يتغير بشكل شبه دائم؟
     ازداد تعقيد إعادة التشكيل الدامية للكتائب المتمردة بسبب الرهان المزدوج لبعض عرابي الثورة المتلهفين لاستعادة ما بقي من مقاتلي الجيش السوري الحر من أجل ممارسة نفوذ سياسي. قال أحد المحللين في دمشق: "ما زال الجيش الحر يتلقى الأموال من الخليج. يعني ذلك أن قطر وربما السعودية ما زالتا تدفعان بهدف جذب أعضائه إلى الجبهة الإسلامية".
     ولكن الأمور تجري بشكل مختلف على الأرض. إن العلاقة سيئة جداً بين القيادة العليا للجيش السوري الحر والجبهة الإسلامية. كرر القادة السلفيون أمام قادة الجيش السوري الحر خلال أسبوع المفاوضات الصاخبة في استانبول الشهر الماضي قولهم: "نحن نمثل 60 إلى 70 % من إجمالي عدد المقاتلين (حوالي مئة وعشرين ألف)، يجب عليكم الانضمام إلينا وليس العكس". يشعر بعض المتمردين المعتدلين أنه تم التخلي عنهم، ويشعرون بالقلق من الانحراف الجهادي، ولهذا السبب قاموا بتسليم سلاحهم واستسلموا للحكومة. ما زال عددهم قليلاً. يفكر البعض الآخر بالرحيل، وهذا ما يشهد عليه العدد المتزايد من طلبات الهجرة التي تقدم بها المقاتلون إلى المفوضية العليا للاجئين في دمشق، نقلاً عن مصدر داخل الأمم المتحدة.