الصفحات

الجمعة، 31 كانون الثاني، 2014

(تزايد المؤشرات حول عزلة إسرائيل)

صحيفة اللوموند 31 كانون الثاني 2014 بقلم مراسلها في إسرائيل لوران زوكيني Laurent Zecchini

     يُقارن مسؤولو الأحزاب اليسارية الإسرائيلية رئيس الوزراء بقبطان سفينة تيتانيك ستيفان سميث الذي كان يتجاهل رسائل التحذير حول وجود جبال الثلج، وما زال بنيامين نتنياهو يصم أذنيه عن تحذيرات أولئك الذين يتنبؤون بكارثة دبلوماسية على إسرائيل تحت شكل الفشل النهائي للحل القائم على أساس دولتين، بالإضافة إلى تزايد عزلتها الدبلوماسية في العالم. ربما أظهرت ألمانيا التي تمثل أقرب الحلفاء الأوروبيين للدولة اليهودية المثال أمام الاتحاد الأوروبي. قررت برلين أن الشركات الإسرائيلية للتقنيات المتطورة الموجودة في مستعمرات الضفة الغربية والقدس الشرقية لن يستطيعوا مستقبلاً الاستفادة من التمويل الألماني, ومن المفترض إضافة هذا البند المتعلق بالأراضي إلى بعض اتفاقات التعاون الثنائية.
     يأتي هذا التشدد ضمن سياق الاتفاق الذي وقعته إسرائيل مجبرة مع الاتحاد الأوروبي، هذا الاتفاق الذي ينص على آلية مشابهة بالنسبة للبرامج العلمية الأوروبية (أفق 2020). كانت هولندة من أوائل الدول التي انخرطت بما يمكن تشبيهه بحملة مقاطعة. انضمت عدة صناديق تمويل أوروبية إلى هذه الحملة، بالإضافة إلى بعض الجامعات الأمريكية التي ترفض التعاون مع الجامعات الإسرائيلية الواقعة داخل المستوطنات. يدين نتنياهو "نفاق" الأوروبيين، ولكن ربما يجب عليه الإصغاء إلى غضب الأوروبيين المتزايد. بالتأكيد، تستطيع إسرائيل التخفيف من أهمية هذا التهديد المحدود جدا، واختيار الإصغاء إلى وزير اقتصادها القومي المتدين نفتالي بينيت الذي يعتبر أنه "من الأفضل التعرض إلى مقاطعة أوروبية بدلاً من إقامة دولة فلسطينية".
     انتهى عام 2013 بدون أن يتحقق أي من المخاطر التي تهدد إسرائيل: لم تحصل الحرب بخصوص الملف النووي العسكري في إيران، ولم ينجح الجهاديون السوريون في تصدير نزاعهم مع نظام دمشق إلى إسرائيل، وامتنع حزب الله عن الرد على الرغم من العديد من الضربات العسكرية الإسرائيلية ضد مصالحه، وما زالت الضفة الغربية هادئة، ولم يعاني قطاع غزة من تداعيات حرب عام 2012 ضد حماس. ولكن جميع هذه الاحتمالات ما زالت مستمرة في عام 2014، وبدأ العد التنازلي للمفاوضات مع الفلسطينيين ودخل في مرحلته النهائية: أي في نهاية شهر نيسان بعد نهاية الأشهر التسع المخصصة لهذه المفاوضات. أشار مدير معهد الدراسات الأمنية في تل أبيب أموس يادلين Amos Yadlin إلى أنه إذا لوحظ أن الفشل أصبح أمراً واقعاً، فلن هناك أمام الفلسطينيين إلا خيار "الانتفاضة المسلحة أو الانتفاضة الدبلوماسية"، وذلك في إشارة إلى الهروب إلى الأمام نحو المحكمة الجنائية الدولية.
     تبرر إسرائيل تشددها باسم الحفاظ على أمنها. يعتبر قادة الجيش الإسرائيلي أن الهدوء السائد على حدودها مع الأردن ومصر، لا يجب أن يدفع الدولة اليهودية على التهاون: إن الحروب بين الإسلاميين في العراق وسورية يمكن أن تنتشر، ويرفض الجيش الإسرائيلي التنازل عن السيطرة العسكرية على وادي الأردن إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية. يترافق هذا التشدد مع قلق خفي يتقاطع مع القلق الذي تشعر به السعودية ودول الخليج، وهذا القلق مرتبط بالإرادة الأمريكية بالانخراط أقل ما يمكن في نزاعات الشرق الأوسط من الآن فصاعداً، الأمر الذي يُغذي تدهور الصورة  الأمريكية في المنطقة.
     أكد باراك أوباما أن التعاون الإسرائيلي ـ الأمريكي في المجال الأمني أصبح "أكثر قوة من أي وقت مضى"، كما أغمض وزير الخارجية الأمريكي جون كيري عينيه عن استئناف الاستيطان. ولكن على الرغم من كل ذلك، يتعزز الشعور السائد في إسرائيل بأنه يجب على الدولة اليهودية الاعتماد على نفسها فقط. يترافق تزايد حدة هذه العقدة النفسية التاريخية المتمثلة بـ "القلعة المحاصرة" بالإرادة بإنهاء العزلة المتزايدة. تظهر هذه الإرادة عبر بوادر التقارب مع الدول العربية التي لديها عدو مشترك مع إسرائيل هو إيران. قام وزير الطاقة الإسرائيلي سيلفان شالوم بزيارة أبو ظبي للمشاركة في مؤتمر حول الطاقات المتجددة، وكان شمعون بيريز قد قام بزيارة سرية إلى أبو ظبي بمناسبة المؤتمر حول الأمن.

     إن السعودية حليف ممكن ولكنه غير محتمل، وذلك على الرغم من أن الدولتين تتشاركان في كرههما لنظام طهران وفي قلقهما المشترك من إعادة الدفء إلى العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية. ولكن الدعم الذي قدمته المملكة الوهابية إلى الجهاديين بجميع أشكالهم في سورية يمثل خطاً أحمراً بالنسبة للدولة اليهودية. على أي حال، إن الخطوات الإسرائيلية الصغيرة للتقرب من الدول العربية المعروفة باعتدالها سيكون مصيرها الفشل ما دامت حكومات هذه الدول غير قادرة على تبرير تقاربها مع "العدو الصهيوني" عبر حلحلة عملية السلام الإسرائيلية ـ الفلسطينية. إن نتنياهو في طريقه نحو قتل مثل هذا الاحتمال عبر مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل كـ "دولة للشعب اليهودي"، ورفض مناقشة حق العودة للاجئين الفلسطينيين ورفض تقسيم القدس، والتأكيد على أنه "من الضروري التأكد من أن الدولة الفلسطينية لن تصبح بديلاً لإيران".