الصفحات

الثلاثاء، 30 نيسان، 2013

(الولايات المتحدة وإيران مُجبرتان على التفاهم)


صحيفة الفيغارو 30 نيسان 2013 بقلم رونو جيرار Renaud Girard

     بعد مرور عشر سنوات على الغزو الأمريكي للعراق، والإرادة الأمريكية المُعلنة بإقامة ديموقراطية نموذجية لكل الشرق الأوسط، قال إياد علاوي، الرجل الذي وضعه الأمريكية رئيساً للحكومة العراقية الانتقالية عام 2004، إلى صحيفة الفيغارو قبل ثلاثة أيام: "العراق على حافة الحرب الأهلية". أدت المواجهات بين الميليشيات السنية وقوات الأمن الشيعية إلى مقتل أكثر من مئتي شخص خلال أقل من أسبوع، الأمر الذي يُهدد "سلام الشجعان" الهش الذي أقامه الجنرال دافيد بيتراوس بصبر عام 2008. يُضاف إلى ذلك المسألة الكردية التي تُمثل عاملاً آخراً لعدم الاستقرار. يتمتع إقليم كردستان بحكم ذاتي من أكثر من عشرين عاماً، ولم يتوصل إلى تفاهم مع بغداد حتى الآن حول نقل السلطات وترسيم الحدود وتقاسم العوائد النفطية.
     لماذا أصبح العراق على حافة الانفجار من جديد، على الرغم من أنه كان يبدو أنه انطلق في الطريق الصحيح في نهاية العقد الماضي؟ عاش العراق منذ سقوط صدام حسين تحت حكم ثنائي أمريكي ـ إيراني: سيطرت الشركات الأمريكية على القطاع النفطي، وفرض رجال الدين الفرس نفوذهم على البرلمان والحكومة العراقية التي تُهيمن عليها الأغلبية الشيعية. لقد ظهر حجم النفوذ الإيراني في بلاد الرافدين عندما جرت المفاوضات في مدينة قم الإيرانية حول هدنة نيسان 2008 بين "جيش المهدي" التابع لمقتدى الصدر وبين القوات الأمنية التابعة لحكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي اللذان كانا يتصارعان على السيطرة على ميناء البصرى. تكمن المشكلة في أن هذا الحكم الثنائي لم يعد يعمل بشكل جيد كما كان الحال سابقاً، وهناك ثلاثة أسباب لهذا الخلل في عمله: الحرب الأهلية في سورية (تدعم إيران العلويين في السلطة، في حين تنتقدهم الولايات المتحدة)، تفاقم الخلاف النووي بين الولايات المتحدة وإيران، وضعف النظرة الإستراتيجية المحلية للبلدين. بالنسبة لواشنطن، لم يعد العراق أولوية منذ انسحاب الجيش الأمريكي في شهر كانون  الأول 2011. وفي طهران، لم يعد هناك قبطان في الطائرة لأن السلطة التنفيذية مشلولة بسبب الحقد الموجود بين  المرشد الأعلى خامنئي الطاعن في السن والرئيس أحمدي نجاد في نهاية ولايته.
     من المفترض أن تنتخب إيران في نهاية شهر حزيران 2013 رئيساً جديداً لها. لقد ألمح الأمريكيون سابقاً بأنهم يرغبون بفتح حوار مباشر مع الرئيس الإيراني الجديد بغض النظر عن اسمه. من المحتمل أن يغتنم الرئيس الجديد هذه اليد الممدودة، لأن الولايات المتحدة وإيران مُجبرتان على التفاهم في الشرق الأوسط أكثر من أي وقت مضى. إن استمرار التنافس بينهما يُمثل خطراً على تفاهم ثنائي أمريكي ـ إيراني آخر في لبنان: يُسيطر الأمريكيون على الاقتصاد اللبناني، ولكن حزب الله التابع لنظام طهران يُسيطر لوحده على جنوب لبنان وعلى الحدود مع إسرائيل وعلى السهل الشرقي من البقاع على الحدود مع سورية.
     إن المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية تُمثل رهاناً سيخسر الجميع فيه. ليس فقط لأنه لا مصلحة لأي من البلدين بانفجار الوضع في العراق ولبنان، بل أيضاً لأنه على الصعيد الإقليمي وعلى المدى الطويل الأجل، ستكون إيران بحاجة إلى الولايات المتحدة، وستكون الولايات المتحدة بحاجة إلى إيران. لا يمكن أن تستغني طهران عن التكنولوجيا الأمريكية من أجل تنمية صناعتها النفطية. من الناحية الاقتصادية، تعاني طهران كثيراً من العقوبات الغربية. من الناحية السياسية، تحتاج الولايات المتحدة إلى قوة إقليمية تقف في وجه التوسع الوهابي، هذا الإسلام السني الراديكالي الأصولي عدو الحضارة الأمريكية. لم يعد لدى واشنطن أي شخص تتحدث معه في سورية، وأصبحت الولايات المتحدة العدو اللدود لنظام الأسد، بعد أن أعطته سابقاً الوصاية على لبنان (اتفاق الطائف عام 1989). ولم يعد بإمكان واشنطن التفاهم مع المتمردين الذين يُعلنون بأغلبيتهم الساحقة تقاربهم مع الإخوان المسلمين في أفضل الأحوال، أو مع تنظيم القاعدة في أسوأ الأحوال. من العبث استبعاد الإيرانيين عن أي حل للتوصل إلى السلام في سورية، لأنهم الوحيدون القادرون على ضمان أمن العلويين في المستقبل القريب.
     ارتكب جورج بوش الابن خطأ فادحاً عندما رفض "التسوية الكبرى" التي اقترحها الإيرانيون في شهر  أيار 2003. لقد حان الوقت للعودة إلى هذه الفكرة المناسبة بإجراء مفاوضات شاملة حول جميع المواضيع بين البلدين من أجل التوصل إلى السلام في الشرق الأوسط. لا يجب أن تكون تسوية الخلاف النووي شرطاً للبدء بهذا الحوار، بل يجب أن تكون إحدى عناصره.