الصفحات

الخميس، 11 نيسان، 2013

(سورية: إنذار كيميائي)


مجلة النوفيل أوبسرفاتور الأسبوعية 11 نيسان 2013 بقلم سارا دانييل Sara Daniel

     ماذا حصل فعلاً في خان العسل بتاريخ 19 آذار 2013؟ إنها المرة الأولى التي يقوم فيها النظام باتهام المتمردين بتجاوز هذا "الخط الأحمر" الذي حدده المجتمع الدولي للقيام بتدخل مُسلّح في سورية أي: استخدام الأسلحة الكيميائية. لقد أكدت موسكو أن المتمردين استخدموا هذه الأسلحة القذرة، ولكن التمرد ألقى مسؤولية هذا الهجوم الذي أدى إلى مقتل 15 شخصاًعلى النظام. أما المرصد السوري لحقوق الإنسان فقد أكد أن صاروخ أرض ـ أرض قد استهدف موقعاً للجيش في خان العسل، ولكنه لم يُحدد فيما إذا كان هذا الصاروخ يحمل رأساً كيميائياً.
     كما هو الحال بالنسبة لأغلب المُحللين المتخصصين، أكد الباحث في معهد الدراسات الأمنية للاتحاد الأوروبي جان باسكال زاندرز Jean-Pascal Zanders أنه غير مُقتنع بهذه الاتهامات، واعتبر أن الأسلحة التي تم استخدامها بتاريخ 19 آذار ليست أسلحة كيميائية، وقال بعد أن شاهد التحقيق المُصوّر الذي عرضه تلفزيون الدولة السورية في أحد المستشفيات التي يُعالج فيها الجرحى: "هناك الكثير من الأشخاص حول المرضى. لا أحد يرتدي ألبسة واقية أو قناعات ضد الغاز باستثناء الكمامات الجراحية. لو كان هناك هجوم كيميائي، فإن العدوى ستُصيب أغلب هؤلاء الأشخاص الموجودين، وربما سيموتون". كما استبعد معاون مدير مؤسسة البحث الإستراتيجي جان فرانسوا داغوزان Jean-François Daguzan فرضية وقوع هجوم بالكلور قائلاً: "الاحتمال الأكبر هو تدمير أحد مستودعات الكلور بسبب إحدى القذائف". كما أكد مسؤول رفيع المستوى في الأمم المتحدة قائلاً: " لا شيء يسمح بالاعتقاد أن النظام بدأ بتطبيق سياسة الخيار الأسوأ عبر استخدام الأسلحة الكيميائية على نطاق واسع، لأن استخدامها سيؤدي إلى سقوطه".
     ولكن حتى ولو لم تستخدم دمشق ترسانتها الكيميائية حتى الآن، فإن المجتمع الدولي يعتبر أن هذه الاتهامات التي يوجهها النظام تُمثل رسالة مُقلقة جداً في هذا النزاع الغامض جداً، ويجب تحليل جميع المؤشرات. تساءل أحد الدبلوماسيين الأمريكيين قائلاً: "وماذا إذا كان هذا الاتهام يهدف إلى نزع التهمة عن استخدام الأسلحة الكيميائية في المرة القادمة؟ إن الأنظمة التي شنّت عمليات هجوم كيميائية على شعبها، كما حصل في العراق، قامت في أغلب الأحيان باتهام معارضيها باستخدام مثل هذه الأسلحة قبل أن تلجأ إلى استخدامها من أجل تبرير "انتقامها"...". ربما يقوم النظام قبل سقوطه باستخدام سلاحه الأخير في هذا النزاع. لماذا تسرّع الروس في تبني هذا الاتهام؟ إن موسكو هي المصدر الأساسي للأسلحة السورية وللدعم الفني لهذه الترسانة، ربما تُحاول روسيا إشاعة الغموض من أجل التنصل من الاتهام بالتورّط في حال وقوع مجزرة.
     يعتبر النظام أن الترسانة النووية الكيميائية هي الوسيلة الأخيرة لحمايته، وأنها تمثل رداً غير تقليدي على التهديد الذي تمثله القنبلة النووية الإسرائيلية. ويشير المختصون إلى أن الترسانة الكيميائية السورية هي من أكبر الترسانات في العالم. لقد تم وضع مئات الأطنان من العناصر الكيميائية المتنوعة تحت مسؤولية مؤسسة تابعة لسلاح الجو هي مركز الدراسات والبحوث العلمية التي تُعتبر إحدى أكثر المؤسسات إخلاصاً للنظام. لقد استطاع السوريون بفضل المساعدة الروسية والإيرانية النجاح في إنتاج جيل جديد من الأسلحة الكيميائية أكثر فعالية مثل غاز الخردل والساران وVX. كما يملك نظام دمشق الصواريخ اللازمة لضرب أعدائه: أكد رئيس الموساد منذ شهر حزيران عام 2002، أثناء مشاركته في مؤتمر للحلف الأطلسي، أن سورية تملك القدرة على تحميل صواريخ سكود بغاز الساران وVX. كما تعتقد أجهزة الاستخبارات الغربية أن سورية ربما تستخدم أيضاً صواريخها البعيدة المدى SS-N-3b للقيام بعملية هجوم.
     صرّح الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية السورية جهاد مقدسي بتاريخ 23 تموز 2012 أن سورية تحتفط بالأسلحة الكيميائية في مكان آمن، وأنها لن تستخدمها إلا "في حال التعرض إلى اعتداء خارجي". في هذا النزاع الذي يستفيد فيه كل طرف من دعم إحدى الدول الخارجية، فإن هذا التصريح الغامض  أدى إلى طرح العديد من التساؤلات. في أي لحظة سيعتبر النظام أنه تعرّض إلى هجوم خارجي؟ يتهم الرئيس الأسد دوماً في كلماته دور الغرب وقطر والسعودية في تسليح المعارضة المسلحة، ويشير إلى وجود منظمة إرهابية دولية على أرضه، كل ذلك يحمل على الاعتقاد بأنه يعتقد من الآن بأن هذا الاعتداء الخارجي قد بدأ فعلاً. أكد اللواء عدنان سلو في مقابلة مع التايمز في شهر أيلول عام 2012 قائلاً: "قمنا بإجراء نقاشات جدية داخل النظام حول استخدام الأسلحة الكيميائية وحول طريقة استخدامها وفي أية مناطق. لقد ناقشنا كل ذلك باعتباره الملجأ الأخير في حال خسر النظام السيطرة على منطقة هامة مثل حلب". هل يمكن تصديق ما قاله هذا اللواء المُنشق الذي يمكن أن يكون اليوم عُرضة لألاعيب مختلفة؟
     أظهرت صور الأقمار الصناعية لإحدى القواعد العسكرية السورية في شهر كانون الأول 2012 بعض الجنود وهم يقومون بتجميع عناصر كيميائية، وأن وحدة عسكرية أخرى تقوم بتحميل الأسلحة الكيميائية في الشاحنات. إنها المرة الأولى التي تحصل فيها الأجهزة السرية الغربية على براهين مادية بأن سورية تقوم بصنع ونقل مثل هذه الأسلحة. هل كان ذلك مجرد عملية تدريب يقوم بها الجيش السوري، أو حتى مناورة لاختبار ردود الفعل الدولية؟ هل هذه الصور هي التي دفعت بالرئيس أوباما إلى التصريح بتاريخ 3 كانون الأول 2012 أن قيام النظام السوري باستخدام الأسلحة الكيميائية "سيكون مرفوضاً وستترتب عليه نتائج". يبدو أن هذا التحذير حقق النتيجة المنتظرة منه، باعتبار أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية لاحظت بعد كلمة الرئيس الأمريكي أن النشاطات الكيميائية للجيش السوري قد توقفت، على الأقل في الوقت الحالي. أظهرت هذه الحادثة أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية تخشى من استيلاء المجموعات الجهادية أو حزب الله على هذه الأسلحة، وهي تراقب عن كثب المستودعات ومعامل التصنيع المُتركّزة في غرب سورية من دمشق إلى اللاذقية.
     وإذا كانت المعركة من أجل القضاء على الأسلحة الكيميائية السورية قد بدأت؟ في شهر كانون الأول الماضي، أسرّ لنا الملك الأردني قائلاً: "تقوم القوات الأمريكية الخاصة المُنتشرة في الأردن بمراقبة الأسلحة الكيميائية السورية عن كثب". وصرّحت إسرائيل المُستهدفة بشكل مباشر أنها لن تنتظر اندلاع حرب لكي تشعر بالقلق من استخدام الأسلحة القذرة لجارها. قام الطيران الإسرائيلي بتاريخ 29 كانون الثاني الماضي باستهداف مركز عسكري. أشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية أنها ربما تكون عملية ضد مركز الدراسات والبحوث العلمية الذي يقوم بالإشراف على تطوير الأسلحة الكيميائية والبكتريولوجية.