الصفحات

الاثنين، 15 نيسان، 2013

(الجولان، النزاع السوري على هضبة)


صحيفة الفيغارو 15 نيسان 2013 بقلم مراسلها الخاص في هضبة الجولان أدريان جولمز Adrien Jaulmes

     بدأت القذائف تسقط من جديد على الجولان. في البداية، كانت تسقط بشكل مُتفرّق هنا وهناك في الحقول الفارغة، ثم أصبحت أكثر فأكثر دقة وتسقط بالقرب من دوريات الجيش الإسرائيلي أو مراكز المراقبة. حذّر وزير الدفاع الإسرائيلي الجديد موشي يالون أن الجيش الإسرائيلي سيرد على أي هجوم وأن "إسرائيل لن تسمح بوجود روتين القذائف المُتفرّقة" على أرضها. لقد فكّرت هيئة الأركان الإسرائيلية باقتطاع جزء من الأراضي السورية وتحويله إلى منطقة عازلة لحماية الجولان، ولكن هذا المشروع لم تجر متابعته. على الرغم من ذلك، استمر إطلاق القذائف وأصبحت تستهدف أهدافاً مُحددة أكثر فأكثر. أصابت آخر هذه القذائف يوم الجمعة 12 نيسان بعض مواقع الجيش الإسرائيلي الذي ردّ بإطلاق النار على مواقع داخل الأراضي السورية. لقد انتهت أربعون سنة من الهدوء على الحدود الإسرائيلية التي كانت الأكثر هدوءاً، وذلك بسبب تفكك نظام بشار الأسد في دمشق والهجمات التي يتعرض لها من قبل مُتمردي الجيش السوري الحر.
     قامت إسرائيل بضم هضبة الجولان عام 1980 بشكل أحادي الجانب، وتحولت إلى منطقة زراعية وسياحية. لم يُطلق الجيش السوري طلقة واحدة ضد إسرائيل على الهضبة منذ هزيمته عام 1973. لقد فضّل الأسد الأب والابن تغيير التكتيك عن طريق استخدام حزب الله والسعي إلى إجبار إسرائيل على التفاوض في إطار تسوية شاملة، وذلك بدلاً من المخاطرة بفشل عسكري جديد. لقد نسي الجميع أن هناك بعثة للقبعات الزرق هي FNOUD المنتشرة منذ عام 1974 بين الجيشين السوري والإسرائيلي، وأنها تقوم بدوريات في المنطقة المنزوعة السلاح، وتراقب مركز العبور الوحيد بين إسرائيل وسورية: أي معبر القنيطرة.
     اقتربت المعارك بين الثوار السوريين والجيش الحكومي من الجولان. قال مانويل داسا Manuel Dassa، أحد المزارعين الإسرائيليين في جمعية Ramat Magshimim في جنوب الجولان: "بدأنا نسمع قبل عدة أشهر أصوات إطلاق الرصاص في الجانب الآخر من الحدود. كان إطلاق الرصاص في النهار والليل، وسقطت أحياناً بعض القذائف داخل حدودنا. لقد هدأ الوضع قليلاً الآن، ولكننا لا نعرف ماذا يجري في الجانب الآخر من الحدود. تُمثل المنطقة هناك عالم آخر بالنسبة لنا". يعتبر العسكريون الإسرائيليون أن سبب هذا الهدوء المفاجىء هو تراجع القوات الحكومية إلى دمشق، وتركها المنطقة الحدودية تحت سيطرة المتمردين. تخشى هيئة الأركان الإسرائيلية من أن رحيل جيش بشار الأسد سيسمح للمجموعات الجهادية بتحويل الجولان إلى نقطة مواجهة جديدة مع إسرائيل. قام رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال بيني غانتز Benny Gantz بزيارة الجولان في شهر آذار لتفتيش المواقع الإسرائيلية. لقد تم نشر مدافع جديدة على الهضبة، وتسريع أعمال تعزيز الحواجز التي يبلغ ارتفاعها سبعة أمتار.
     تخشى إسرائيل من انسحاب قوات الأمم المتحدة لمراقبة فصل القوات FNUOD بعد تراجع الجيش السوري. تعرضت قوات الأمم المتحدة في الشهر الماضي إلى حادث سيء عندما قام المتمردون السوريون، شهداء اليرموك، بخطف 21 جندياً من القبعات الزرق، ونشروا صورهم على اليوتوب قبل أن يُفرجوا عنهم في الأردن. بعد هذه الحادثة، أعلنت الوحدتان الكرواتية واليابانية أنهما ستسحبان جنودهما. أما الوحدة النمساوية التي تُمثل ثلث عدد بعثة القبعات الزرق (1000 جندي)، فقد أعلنت أنها ستبقى. ولكن النمسا ربما تُعيد النظر في مشاركتها في حال تدهور الوضع.
     تتصف مواقف سكان الجولان من الأحداث في سورية بأنها مُتنوعة جداً. يبلغ عدد الإسرائيليين في الهضبة حوالي عشرين ألف نسمة، إنهم من الناحية القانونية مستوطنين مثل المستوطنين في الضفة الغربية، ولكن أغلبهم يساريون وعلمانيون وليسوا من المتدينين المتطرفين. إنهم لا يُحبّون وصفهم بالمستوطنين، ولكن الهضبة تبقى أرضاً سورية مُحتلّة على الرغم من قيام إسرائيل بضمها بشكل أحادي الجانب. قال مانويل داسا: "إن أحد الجوانب الإيجابية لهذا الوضع هو ابتعاد سيف ديموقليس المُتمثل بالانسحاب من الجولان. الجانب السلبي هو خطر وصول نظام إرهابي إلى السلطة في سورية، كما هو الحال في جنوب لبنان وغزة. من المبكر جداً معرفة كيف ستسير الأمور. بالانتظار، لم يردع هذا الوضع العائلات من الإقامة في الجولان، ولا السائحين من القدوم بأعداد كبيرة خلال عطلة نهاية الأسبوع".
     اعترفت ديبي أتون Debby Atoun قائلة: "بقينا فترة طويلة نُصلّي من أجل بشار الأسد. لا أعرف إذا كان ذلك أمراً جيداً للسوريين، ولكنني أعرف أنه أمر جيد بالنسبة لنا. إن ما يحدث الآن في سورية يُظهر أننا كنّا على صواب بعدم الإنسحاب من الجولان كما كان رابين يريد أن يفعل عام 1994". لقد أقامت هذه المرأة مع زوجها في الجولان بعد حرب عام 1973 مباشرة. كانا يعيشان في القنيطرة قبل أن يتم إخلاءها وتحويلها إلى مدينة أشباح. ثم قاما بتأسيس كيبوتز يسمح بالملكية الخاصة في Qeshet على مسافة عدة كيلومترات من الحدود السورية.
     يشعر بقية سكان الجولان بأنهم معنيّون أكثر بما يحصل على الجانب الآخر من الحدود. إن أغلبيتهم من الدرزو الذين رفضوا مغادرة قراهم بعد الغزو الإسرائيلي عام 1967، بالإضافة إلى ألاف العلويين المُتجمعين  في الجانب الآخر من الهضبة في قرية "غجر". يبلغ عدد الدروز في الجولان حالياً حوالي عشرين ألف نسمة، ولم يحصلوا على الجنسية الإسرائيلية بعكس الدرزو في الجليل، ولا يؤدون الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي. من الناحية الرسمية، إنهم مواطنون سوريون. ولكن الثورة ضد نظام بشار الأسد وضعتهم في موقف صعب، فقد ازداد عدد طلبات الحصول على الجنسية الإسرائيلية بشكل مفاجىء منذ السنة الماضية.
     ما زال سكان مجدل شمس منقسمين حول الأحداث في سورية. قال أحد الشباب في هذه القرية: "يمكن القول أن 85 % من السكان ما زالوا يؤيدون نظام بشار، و15 % تؤيد الثورة مثلي أنا". كما هو الحال بالنسبة لبقية الشباب الدروز في الجولان، ذهب هذا الشاب للدراسة في دمشق، ودخل عبر باب الأمم المتحدة في مدينة الأشباح بالقنيطرة، وقال مازحاً: "من هنا يمر الطلاب والعرسان والشيوخ والتفاح". بإمكان الشابات الدرزيات الذهاب إلى سورية من أجل الزواج، ولكنهن يخسرن حق العودة إلى الجولان. يستطيع الطلاب عبور هذا الباب مرتين في السنة، في بداية العام الدراسي ونهايته. فيما يتعلق برجال الدين الدروز، بإمكانهم الذهاب إلى سورية مرات أكثر. ويمر التفاح بالطنابير، هذا التفاح  الذي يُزرع في الجولان ويُباع في سورية.
     قال صباغ قاسم، أحد التجار في مجدل شمس: "إن نظام بشار الأسد هو المسؤول عن هذا الوضع، حتى ولو لم يكن الوحيد الذي يقتل. ولكن الضحية الأولى هي الشعب السوري. هناك الكثيرون الذين ما زالوا يدعمون بشار بدافع المصلحة. تقوم حكومة دمشق بشراء التفاح من من المزارعين الدروز بسعر دولار واحد للكيلو، وهم خائفون من فقدان هذا الامتياز. كما يشعر بالخوف أيضاً كل من عائلات الطلاب الذين ذهبوا إلى سورية، والمحاربين القدماء وسجناء الحرب الذين يحصلون على معاشاتهم من دمشق. نعرف أن النظام سيسقط، ولكن لا أحد يستطيع التنبؤ متى سيسقط. نحن الدروز في الجولان، نشعر بالعزلة أكثر فأكثر".