الصفحات

الثلاثاء، 2 نيسان، 2013

(الولايات المتحدة تتأمل بدروس المغامرة العراقية الباهظة التكاليف)


صحيفة الفيغارو 1 نيسان 2013 بقلم مراسلتها في واشنطن لور ماندفيل Laure Mandeville

     بدأت الولايات المتحدة بصعوبة في استخلاص العبر من الحرب على العراق بعد عشر سنوات من دخولها إلى بغداد. يعتبر الرأي العام الأمريكي سواء على الصعيد العسكري أو  السياسي أن هذه الحرب كانت فشلاً ذريعاً وبلا فائدة. قال أستاذ الأكاديمية البحرية في أنابوليس الجنرال جون نيغل John Nagl الذي حارب في العراق بين عامي 2003 و2005 إلى صحيفة الفيغارو: "نعم إنها فشل، هذه هي الكلمة الدقيقة". يعتبر هذا الجنرال المُقرّب من الجنرال بيتراوس أن قبول كلمة الفشل مؤلم للغاية نظراً لعدد الرجال التي ماتوا إلى جانبه أثناء المعارك، فقد مات 25 جندياً أمريكياً في وحدته فقط.
     قال الجنرال جون نيغل إلى صحيفة الفيغارو أن "قرار التدخل في العراق يمكن أن يكون أكبر الأخطاء الإستراتيجية في تاريخ الولايات المتحدة". لقد قُتِل 4500 جندي أمريكي وجُرِح ثلاثون ألف آخرون، من بينهم الآلاف الذين عادوا بدون ساق أو ذراع، وتعرض ربع الجنود إلى أمراض نفسية تدفعهم إلى الإكتئاب والانتحار، الأمر الذي أدى إلى زعزعة استقرار الكثير من العائلات في الولايات المتحدة. كما قُتِل عشرات الآلاف من العراقيين الأبرياء.
     بالإضافة إلى هذا الثمن البشري، هناك أيضاً الثمن الاقتصادي لهذه الحرب الذي يُقدّر بألفي مليار دولار كنفقات مباشرة فقط. فيما يتعلق بالمواقف الجيوسياسية للولايات المتحدة في المنطقة، يبدو أنها ضعيفة. لقد أصبح خصمه الإيراني وصياً على العراق، وفرضت طهران نفسها كطرف محوري على الساحة الشرق أوسطية. كما تتقدم طهران بقوة نحو صنع السلاح النووي.
     لم تصبح العراق قاعدة قوية للديموقراطية في الشرق الأوسط لكي ترتكز عليها الولايات المتحدة. قالت الصحفية الأمريكية حنا ألن Hanna Allen من وكالة McClatchy التي تابعت الحرب بأكملها: "من النادر أن يتأسف الناس على الدكتاتور صدام حسين. ولكن على الأقل كان هناك في ذلك الوقت مصدر واحد للعنف. أما اليوم، فلا يمكن التوقع بأي شيء". وأشارت إلى أن العراقيين ما زالوا حاقدين جداً على الأمريكيين الذين لم يستطيعوا حتى القيام بمحاكمة جديرة بهذا الإسم لصدام حسين.
     لم يعد هناك أي نفوذ أمريكي على بغداد على الرغم من التضحيات الكبيرة بالرجال والمال. هذا ما أظهرته الزيارة الأخيرة لجون كيري إلى العراق، فقد أصغى بأدب لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي لم يُلبي طلبه بإغلاق المجال الجوي العراقي أمام المساعدات الإيرانية إلى دمشق.
     يؤكد المراقبون أن هناك نتيجة إيجابية على الرغم من هذه الحصيلة المشؤومة للحرب على العراق وهي: الحذر الذي يُسيطر على السلطة والمجتمع الأمريكي بخصوص التدخل الخارجي. يتبنى الرئيس باراك أوباما اليوم موقف الانطواء الإستراتيجي من أجل التركيز على إعادة البناء الداخلي في الولايات المتحدة المُنهكة. فيما يتعلق بالعمل العسكري، يُفضّل باراك أوباما اللجوء إلى العمليات الخاصة والطائرات بدون طيار، على الرغم من الانتقادات التي تتعرض لها الوسيلة الأخيرة. قال جون نيغل: "أصبحنا أكثر حكمة. يجب الانتظار عشر سنوات على الأقل قبل أن تدفع الولايات المتحدة بجنودها إلى أحد النزاعات". ويأمل جون نيغل أن يستمر هذا الحذر أيضاً بخصوص احتمال التدخل العسكري ضد إيران.
     يتساءل المحللون اليوم حول مُعضلة ما يجب القيام به في سورية. أشار جون نيغل "بنوع من السخرية" إلى فرنسا التي كانت تُدرك جيداً أخطار التدخل في العراق، ولكنها كانت في طليعة العمليات الخارجية في ليبيا ومالي. لقد عبّر عن سروره بهذا التدخل الفرنسي، ولكنه تساءل قائلاً: "هل استخلصتم الدروس من أخطائنا في العراق؟".