الصفحات

الجمعة، 19 نيسان، 2013

(الربيع العربي: "لماذا كل هذا التعب!")


صحيفة اللوموند 19 نيسان 2013 بقلم آلان فراشون Alain Frachon

     "الربيع العربي" ليست تسمية صحيحة. كان يجب القول "الشتاء العربي". إن الأمل الذي بدأ في تونس قبل أكثر من سنتين، انتهى بمأساة في سورية. لقد أعطى هذا التمرد باسم الديموقراطية السلطة إلى الإخوان المسلمين في مصر. ارتفعت البطالة بشكل كبير، وتزايدت أعمال العنف في المدن، وتواجه الحرية السياسية المصاعب، ويتراجع وضع المرأة في كل مكان ازدهرت فيه كلمة "الربيع". بينما تتقدم السلفية  التي تُمثل الشكل الأكثر راديكالية للإسلاموية.
     "هل كان كل هذا التعب من أجل الوصول إلى هذا الوضع!": إن الأوروبيين ينسون كثيراً قرنين ونصف من التاريخ المُضطرب للوصول إلى دولة القانون والحرية السياسية، ويشعرون باليأس من جيرانهم العرب. إنهم يشعرون بتأنيب الضمير بسبب سورية، ويشعرون بالقلق من الصعوبات الهائلة التي تواجهها مصر وتونس. تنتشر في الصحافة الغربية مقولة الأطباء: "لقد قلنا لكم ذلك"، ويتهمون بالسذاجة أولئك الغربيين الذين أشادوا بـ "الربيع العربي". إنهم ينتقدون بحدة هذه الحكومات من لندن إلى باريس بسبب دعمها لهذه الحركة وتخلّيها عن الطغاة من حسني مبارك إلى زين العابدين بن علي بعد أن كانوا حلفاءهم. الأسوأ من ذلك، إن أولئك الغربيين الذين يحتقرون حركات التمرد العربية يُلمّحون إلى أنه كان بإمكان الولايات المتحدة وأوروبا انقاذ الحكام المُستبدين في القاهرة وتونس وغيرهم.
     إنه كلام فارغ. لقد سقط النظامان المصري والتونسي ضحية فشلهما، وليس بسبب "الخيانة" الغربية. لا تملك الولايات المتحدة القوة الإلهية التي ينسبها إليها العالم العربي. لو لم يتدخل الأمريكيون والبريطانيون والفرنسيون في ليبيا، فإن السيناريو الأكثر احتمالاً هو التالي: حرب أهلية طويلة وليس انتصار المُرشد وأتباعه.
     إن الانتخابات لم تعط السلطة إلى أولئك الذين كانوا يتظاهرون في الشارع؟ ولكن جميع المراقبين قالوا أنه لا يوجد هناك قوة معارضة مُنظمة بشكل جدي في المنطقة. إن الإخوان المسلمين بأسمائهم المختلفة ـ الإسلام السياسي بصيغته الأصولية تقريباً ـ كانوا الوحيدين القادرين على الفوز بالانتخابات. أظهر "الربيع العربي" هذه الحقيقة القديمة في العلوم السياسية: الشارع أكثر احتجاجاً من صناديق الاقتراع، كما كتب الباحث جيرار شاليان Gérard Chaliand في آخر كتاب صدر له عام 2013 بعنوان : (نحو نظام عالمي جديد).
     قال الباحث الفرنسي ـ اللبناني جيلبير أشقر، الأستاذ الجامعي في لندن، إلى صحيفة اللوموند بتاريخ 23 شباط: "يجب المرور عبر التجربة الإسلامية في السلطة". وأضاف أنها ستكون تجربة الخيبة ونهاية الأوهام لسبب بسيط هو: أننا بالغنا في قدرة الإخوان المسلمين على الحكم. لقد أظهروا تعصباً سياسياً أحمقاً يتعارض مع الانفتاح الضروري. كنا نعرف أنهم بلا برنامج باستثناء شعار: "الإسلام هو الحل". إن مفهومهم للعامل الاجتماعي يقتصر على الأعمال الخيرية، وليس لديهم أكثر من ميول غامضة نحو الليبرالية الاقتصادية. لقد درسوا القرآن ولم يدرسوا المالية العامة، درسوا أحاديث الرسول ولم يدرسوا كتابات آدم سميث. وصلت منحنيات البطالة إلى ذروتها، وهم في طريقهم إلى تقديم البرهان على حقيقة أخرى: عندما يتعلق الأمر بحكم بلد، الإسلام ليس هو الحل.
     كان الخطأ يتمثل في الأمل بأن الإخوان المسلمين سيُقلّدون حزب العدالة والتنمية الإسلامي التركي الحاكم منذ أكثر من عشر سنوات في أنقرة. كان هذا الحزب مُتعقلاً عندما لم يقم بإلغاء الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت في نهاية التسعينيات، وقام بتسهيل بروز جيل جديد من رجال الأعمال الأتراك الذين جاؤوا من أعماق تركيا، ويُشاركون الحزب الحاكم نزعته المحافظة. الأمر الأكثر أهمية هو أن حزب العدالة والتنمية يؤيد انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وأنجز جزءاً من الإصلاحات الديموقراطية التي طلبتها بروكسل. هناك أيضاً فارق حقيقي أخير هو أن حزب العدالة والتنمية التركي هو حزب إسلامي وليس حزباً إسلاموياً. لم يؤمن هذا الحزب إطلاقاً بأن الدين هو  "الحل". قال لنا نائب رئيس الوزراء التركي Bülent Arinç هذا الأسبوع في باريس: "إن نشر الإسلام والحكم هما أمران مختلفان كلياً".
     إذا كانت هناك مبالغة في تقدير قدرة الإخوان المسلمين على الإدارة، فقد كان هناك تقليل في قيمة الانقسام داخل العالم الإسلامي، هذا الانقسام الذي أدى إلى تشنّج الشرق الأوسط. هناك مواجهة منذ أربعة عشر قرناً بين تيار الأغلبية السني وتيار الأقلية الشيعي. أدى "الربيع العربي" إلى تهييج هذا العداء بمجرد وصوله إلى سورية البلد المتعدد الطوائف، وخلق مواجهة بين نظام بشار الأسد الذي تُهمين عليه طائفة متحدرة من المذهب الشيعي من جهة، وبين حركة التمرد التي تتكون بشكل أساسي من الأغلبية السنية للسكان من جهة أخرى.
     إن المأساة السورية ليست "ربيعاً" انتهت أحداثه بشكل سيء. إنها تتجاوز الإطار السوري ـ السوري، وتُعبّر عن مواجهة إقليمية أكثر اتساعاً. تحظى حركة التمرد بدعم السعودية وقطر، العرّابان الماليان للإخوان المسلمين والأصولية السنية. ويواجه التمرد نظاماً تُدافع عنه الجمهورية الإسلامية الإيرانية زعيمة المذهب الشيعي بدعم من حلفائها الشيعة العرب في لبنان والعراق. إنها ليست فقط معركة من أجل دمشق، بل هي معركة لا هوادة بها من أجل الهيمنة الإقليمية. يريد السعوديون والقطريون والأتراك تدمير سورية التي تُمثل نقطة الارتكاز الأساسية لطهران من أجل ممارسة هيمنتها على الشرق الأوسط. إنها الحروب الدينية في أوروبا خلال القرن السادس عشر، وبالتأكيد ستستمر فترة طويلة.
     من المعروف عدم تعاطف الكاتب سلمان رشدي مع الإسلاموية، وقد كتب تعليقاً في مجلة Les Inrockuptibles الفرنسية في منتصف شهر كانون الأول 2012 حول التغيرات المفاجئة في هذا "الربيع الشرق الأوسطي" الغريب قائلاً: "التاريخ بحاجة للوقت. لا أشعر بالتفاؤل ولا بالتشاؤم، ولكنني أعرف أن الرغبة بالحرية ما زالت قائمة في هذه المنطقة".