الصفحات

الأحد، 7 نيسان، 2013

(الأزمة الخفية في دول الخليج)


صحيفة اللوموند 2 نيسان 2013 بقلم الباحث هوغو ميشرون Hugo Micheron

     هوغو ميشرون، حائز على دبلوم من King’s College في لندن ومن معهد العلوم السياسية في مدينة إكس Aix الفرنسية، ومُختص بالشرق الأوسط. أعد دراسة حول برامج التنمية في  دول الخليج بعنوان: (An immobile development process. Analysing current structural evolutions of Arab Gulf rentier states toward a sustainable economic grouth). تطرقت دراساته إلى التطورات الاقتصادية والسياسية في دول الشرق الأوسط. وعاش في سورية بين عامي 2008 و2009.

     لا نرى في دول الخليج في بداية هذا العام إلا قطر ومشاريعها الفرنسية الجديدة مثل شراء نادي باريس سان جيرمان واستثماراتها في ضواحي المدن الفرنسية. ولكن المظاهرات في البحرين من أجل الديموقراطية ما زالت مستمرة بعد مضي سنتين على قيام الدبابات السعودية بسحق الثورة فيها. تكشف التوترات المتركزة في البحرين عن زلزال في طور التشكل. إن قدرة دول مجلس التعاون الخليجي على مواصلة سياسة التوسع الدولي على المدى الطويل غير مؤكدة. في الحقيقة، تُخفي قوتها المالية خللاً في النموذج الاقتصادي الريعي، ويمكن تلمّس بوادره الأولى في أزمات الطاقة والعمالة والأزمة الضريبية التي تواجهها.
     تُشكّل مسألة الطاقة أهم هذه الأزمات، لأن هذه المنطقة هي أهم مناطق العالم في هذا المجال، ولكن هذا الوضع لم يسمح لهذه الدول بتجنب نقص الكهرباء فيها. لقد ازداد الاستهلاك المنزلي للطاقة بشكل كبير خلال العقد الماضي. على سبيل المثال، ازداد الطلب على الغاز الطبيعي والنفط في الكويت بنسبة 29 % و41 % بين عامي 2000 و2009. يرتبط هذا الارتفاع الكبير بالنمو السريع للقوة الشرائية والإعانات الضخمة المُقدمة لهذا القطاع، تبلغ هذه الإعانات 1.2 % من إجمالي الناتج المحلي (PIB) في قطر و7 % في السعودية. وهكذا، أصبحت دول الخليج الأكثر استهلاكاً للطاقة بالنسبة للفرد الواحد دون أن تكون دول صناعية. يستهلك المواطن القطري أو الإماراتي أو الكويتي وسطياً ضعفي استهلاك المواطن الأوروبي، وتُعادل احتياجات السعودية من الطاقة احتياجات ألمانيا، القوة الصناعية الرابعة في العالم. إذا استمر الوضع على هذا المنوال، ستستهلك السعودية عام 2028 ما يعادل 8.3 مليون برميل نفط يومياً، أي أكثر من صادراتها النفطية عام 2009. من أجل مواجهة هذه الزيادة في الطلب الداخلي، ستكون دول الخليج مُجبرة على زيادة انتاجها من الطاقة بنسبة 80 % بحلول عام 2015 بالمقارنة مع مستوى انتاجها عام 2008. ما زالت دول الخليج بعيدة جداً عن تحقيق زيادة انتاجها من الطاقة بهذه النسبة.
     فيما يتعلق بوضع العمالة، فإن الوضع يبعث على القلق أيضاً. المؤشر الأول الذي يشهد نكوصاً مستمراً منذ بداية عام 1970 هو انتاجية العمال الوطنيين، وذلك في الوقت الذي ازدادت فيه ثروة هذه المنطقة بفضل الصادرات النفطية والغازية. في الوقت نفسه، لم يخلق قطاع الصناعات النفطية إلا عدداً محدوداً من فرص العمل. لقد ازداد معدل النمو بنسبة أكبر بمرتين أو ثلاث مرات من متوسط معدل النمو العالمي، دون أن يمنع ذلك من ارتفاع معدل البطالة بشكل مستمر. باستثناء قطر والسعودية، يتراوح معدل البطالة في المنطقة بين 10 و20 % بين السكان القادرين على العمل.
     اضطرت الدول الخليجية في الماضي إلى اتباع سياسات توظيف واسعة في القطاع العام من أجل التعويض عن نقص فرص العمل، وأصبحت تواجه اليوم ظاهرة الإشباع البيروقراطي. لا يمكن الاستمرار بهذا الوضع حالياً: تقوم الدولة بتوظيف 90 % من السكان الوطنيين في قطر والكويت، وأكثر من ثلاثة أرباعهم في السعودية. كما قامت البحرين بتأسيس جهاز تكنوقراطي لمعالجة الملفات العاجلة عوضاً عن الحكومة التي تحولت إلى جهاز مشلول هائل الحجم بسبب الاتساع الكبير في حجم الإدارات الحكومية.
     بالإضافة إلى ذلك، لم يعد يكفي تفعيل صمام أمان الوظيفة الحكومية لمواجهة نقص فرص العمل. لقد أشار البنك الدولي إلى أنه يجب خلق أربع ملايين فرصة عمل في هذه المنطقة خلال السنوات العشرين القادمة. إذاً، ستقع مسؤولية خلق فرص العمل على عاتق الشركات الخاصة التي يبدو أنها غير قادرة على مواجهة هذا التحدي حالياً. لم تخلق هذه الشركات الخاصة إلا 82000 فرصة عمل جديدة سنوياً، أي أقل من ربع الاحتياجات الحالية.
     لا يُمثل القطاع التجاري قطاعاً مغرياً للسكان الوطنيين في الخليج، لأن رواتب القطاع العام مفصولة كلياً عن الواقع الاقتصادي لأسباب تتعلق بالمحسوبية. على سبيل المثال في الإمارات العربية المتحدة، يبلغ متوسط الراتب الشهري في القطاع الخاص 700 دولار، ولكنه يصل إلى 5500 دولار في الإدارات الحكومية. لهذا السبب، أصبح من المنطقي أن ينضم أصحاب الشهادات في دول الخليج إلى لوائح الانتظار للدخول في مجال العمل الحكومي، ويُفضلون العيش عدة سنوات بفضل راتب أحد الأقارب بدلاً من قبول عمل في القطاع الخاص. أدى هذا الوضع إلى تزايد عدد العمال المهاجرين للتعويض عن نقص العمال الوطنيين، ويتجاوز عددهم حالياً ثلثي القوة العاملة في دول مجلس التعاون الخليجي. قامت السلطات باتخاذ بعض الإجراءات مثل فرص حصص (كوتا) للعمال الوطنيين في الشركات الخاصة، دون أن يسمح ذلك بتلبية حاجات توظيف المواطنين المحليين.
     تزداد هذه اللوحة كآبة إذا أخذنا بعين الاعتبار التوجهات الحالية للموازنات العامة. يزداد الانفاق الحكومي في دول مجلس التعاون الخليجي بوتيرة غير خاضعة للمراقبة. يعود السبب في ذلك إلى  التزايد الكبير لعدد السكان المستفيدين من الإنفاق الحكومي وإلى ممارسات هذه الأنظمة الاستبدادية التي تقوم بتوزيع جزء من الريع لشراء السلام الاجتماعي. المثال الأكثر وضوحاً هو الدولة السعودية التي تُنفق حالياً أربعة أضعاف ما كانت تُنفقه خلال سنوات  التسعينيات.
     في الوقت الحالي، إذا هبط سعر برميل النفط إلى أدنى من أربعين دولار، فإن عجز الموازنات الحكومية سيشمل جميع دول مجلس التعاون الخليجي. لقد بدأت البحرين وعُمان حالياً باللجوء إلى احتياطياتهما لتمويل جزء من إنفاقهما. فيما يتعلق بالإمارات العربية المتحدة، أشار المعهد المالي الدولي إلى أن نقطة التوازن في موازنتها ستكون مضمونة في حال وصل سعر برميل النفط إلى 85 دولار. وكذلك الأمر بالنسبة للسعودية التي إذا استمر تزايد الإنفاق الحكومي فيها بوتيرته الحالية البالغة 4 % سنوياً، فإن سعر برميل النفط يجب أن يبلغ 115 دولار لكي تصل السعودية إلى نقطة التوازن في موازنتها بحلول عام 2015. ضمن هذا السيناريو، ستستهلك السعودية جميع احتياطياتها المالية في الخارج قبل نهاية هذا العقد. فيما يتعلق بقطر والكويت، ما زال توازن الموازنة فيهما مضموناً بشكل معقول في حال وصول سعر برميل النفط إلى خمسين دولار، ولكن هذا المستوى تضاعف مرتين منذ عام 2003. إذاً، يختلف الوضع من بلد لآخر، ولكن المسارات المُتّبعة متشابهة.
     يجري عادة  التقليل من هذه الأزمة الكامنة في دول مجلس التعاون الخليجي بسبب أن هذه الأنظمة أطلقت عدة مشاريع طموحة للتحديث الاقتصادي. ولكن جميع السياسات الإصلاحية التي اتبعتها دول الخليج منذ عام 2008 تُعزز الهياكل الريعية الموجودة. ما زال الانتاج الزراعي والتحويلي ضعيفاً، ويُمثل 11 % من إجمالي الناتج المحلي لهذه الدول عام 2000. ما زالت دول الخليج تستورد جميع أنواع البضائع تقريباً من الفستق الحلبي إلى سيارات الهامر مروراً بالمُكيفات وألواح الطاقة الشمسية. كما أن جميع دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء البحرين هم مستوردون للخدمات.
     إذا كانت قطاعات السكن والبناء والسياحة والدعم اللوجستي والمال وحتى الصناعات البتروكيميائية تحقق النجاح حالياً، فإن ديناميكيتها شكلية. في الحقيقة، تعيش اقتصاديات دول الخليج بفضل إعادة استثمار العوائد المالية التي بلغت 2400 مليار دولار عام 2011، أي ما يعادل ضعفي اجمالي الناتج المحلي لدول الخليج. على الرغم من هذه المبالغ الخيالية، لم تنجح هذه النشاطات في تفعيل سوق العمل. ضمن هذه الظروف، من الممكن التساؤل حول صحة المشاريع الباهظة التي تزدهر في المنطقة مثل قاعات التزلج على الجليد في الصحراء أو الجزر الصناعية في دبي التي تُعيد رسم خريطة العالم أو المجمّع الفندقي تحت البحر في الإمارات العربية المتحدة.
     إن إستراتيجية زيادة تدفق الريع ولاسيما عبر توظيف أموال الصناديق السيادية في الخارج، ستسمح بالتأكيد في توفير دعم مالي هام لهذه الدول، وحتى بتوفير عوائد تُعادل العوائد النفطية بحلول عام 2030 كما تتوقع قطر. ولكن كما هو الحال بالنسبة للعوائد النفطية الحالية، فإن هذه الموارد المالية الجديدة لن تستجيب لاحتياجات العمالة ولا لتزايد الانفاق الحكومي واستهلاك الطاقة. من الممكن التشكيك بالثقة التي تُظهرها  النخب في دول الخليج وبقدرتهم على تحويل النظام الريعي الحالي إلى اقتصاديات ما بعد صناعية. إذا كانت هذه الدول خلال خمسين عاماً قد استطاعت بفضل أموال النفط استيراد مستويات المعيشة الغربية إلى جزء من مواطنيها، فإن إرساء دعائم اقتصاد انتاجي خلال أقل من جيل واحد هي مهمة أكثر تعقيداً بكثير.
     إن النقاشات الحالية حول التنمية الاقتصادية والسياسية في الخليج تُقلل من حجم وأهمية التحديات المحلية، وتُبالغ في قدرة هذه الأنظمة على مواجهتها. تُركّز وسائل الإعلام والمؤسسات الدولية اهتمامها حالياً على الإصلاحات التي تجري في ظل غموض شبه كامل، وذلك في الوقت الذي تُهدد فيه التوجهات الحالية في دول الخليج بخطر انهيار شامل للنموذج الريعي. إن التحركات الشعبية في البحرين وعُمان والسعودية عام 2011، أكدت محدودية مثل هذه الإصلاحات. كما أن برامج التنمية التي وضعتها دول الخليج ليست قابلة للحياة وليست استعداداً لعصر ما بعد النفط. إن عدم قيام النخب الهرمة في الممالك الخليجية بتقديم حل ملموس، يطرح مشكلة: كيف يمكن الاعتقاد بأن الخليج ما زال بمنأى عن التقلبات العميقة التي تهز العالم العربي منذ سنتين؟