الصفحات

السبت، 12 كانون الثاني، 2013

(سقوط مدرسة المشاة بحلب)


صحيفة اللوموند 7/1/2013  بقلم مراسلتها الخاصة في سورية فلورانس أوبنا Florence Aubenas

     استولى الجيش السوري الحر بتاريخ 15 كانون الأول 2012 على أكاديمية المشاة العسكرية المرموقة في شمال حلب بعد ثلاثة أسابيع من الحصار. أدلى الناجون، من الضباط العلويين والجنود السنة، بشهاداتهم عن هذا الحصار المُرعب الذي انتهى بحمام دم.
      كان الرجال مُصطفين في ساحة الشرف باستعداد وبنظام رائع، إنهم 67 ضابطاً و350 طالب ضابط وحوالي مئة جندي يخدمون في القاعدة. تقع أكاديمية المشاة العسكرية المرموقة على مسافة عدة كيلومترات شمال حلب، وهي المدرسة التي يعتمد عليها النظام لتأهيل قوات النخبة والقادة العسكريين وحتى الرئيس بشار الأسد نفسه عندما كان والده في السلطة.
      قام الجيش السوري الحر بتاريخ  23 تشرين الثاني 2012 بمحاصرة مدرسة المشاة التي تُعتبر آخر معاقل النظام الإستراتيجية في المنطقة الشمالية بالإضافة إلى قلعة حلب والمطارين. تركّز اهتمام المراقبين الدوليين على هذا الحصار منذ  البدية، لأن هذه المدرسة يمكن أن تكون أحد مواقع تخزين الأسلحة الكيميائية وقاعدة للأبحاث وتسليح القوى الجوية.
      قال قائد المدرسة أمام رجاله في ساحة الشرف: "لن يدخل الإرهابيون أبداً إلى ساحة الشرف. واجبنا هو المقاومة. إن القوات الخاصة للرئيس في طريقها من أجل تطهير المنطقة ودعمنا". ثم هتف الضباط: "بشار ربّنا". احتاج المتمردون إلى أقل من شهر للإستيلاء على الأكاديمية. إن الأيام الأخيرة لحصارها ستُحول هذه المؤسسة المرموقة إلى رمز مختلف كلياً هو فساد النظام.
     دخل طالب الضابط علي الحسن إلى الأكاديمية قبل عدة أشهر من بداية الحصار. لقد درس المعلوماتية ويعيش حياة سعيدة وطبيعية في أحد الأحياء الغنية في دمشق التي لا توحي إطلاقاً بوجود معارك في سورية. لقد تمنى له أصدقاؤه قبل مغادرته "إقامة هانئة في فندق هليتون الجيش". ولكن علي الحسن وصل إلى مكان قُطعت عنه الكهرباء والمياه منذ اقتراب المتمردين من حلب خلال فصل الصيف. لقد تم تعليق التدريب العسكري والرياضة والدروس وكل شيء. يتناوب طلاب الضباط على مدار الساعة في قاعات المناوبة باللباس القتالي، ويتحدثون عن ولائم السباغيتي خلال الإجازات أو عن الحب. إن خطيبة علي من الطائفة العلوية، وعلي من الطائفة السنية. يقول لنفسه أحياناً أن العلويين يحظون بدعم أكبر، ولكنه لم يكن يُعير انتباهه إلى التعليقات في الأكاديمية حول حصول العلويين على خدمة أفضل في المطعم أو حول العقوبات الأشد التي يتعرض لها السنة.
     تولّد لدى بعض قادة الأكاديمية انطباعاً بأن النزاع يؤدي شيئاً فشيئاً إلى تصلّب المواقف بين  الطائفتين. لقد وصل الانشقاق أيضاً إلى مدرسة المشاة، ولكن لم يكن هناك أي علوي بين المنشقين السنة الذين تُسميهم القيادة العليا بـ "الخونة". كان الضباط العلويون يُهنئون أنفسهم ويقولون: "لقد تخلصنا منهم، سنواجههم وجهاً لوجه، هذا أكثر وضوحاً". قال أحد الضباط: "أصبحت العلاقات أقل فأقل طبيعية".
     عندما وصل المتمردون إلى حلب في شهر أيلول 2012، تم إبعاد الضباط السنة في مدرسة المشاة عن القطاعات الأكثر أهمية مثل: السلاح والطعام. وتم فصل المكاتب والغرف، فأقام العلويون في المكاتب والغرف القريبة من مستودعات الذخيرة، في حين تم إرسال السنة إلى  الجانب الآخر من القاعدة. في اليوم الأول من الحصار، كان خط الدفاع الأول مكوناً من السنة حصراً. ثم انتشر خلفهم طلاب الضباط السنة أيضاً في الخيام. وتمركز العسكريون العلويون في الخط الثالث. بالمقابل، حصل ذوو الخبرة على إذن بالبقاء في مبنى القيادة. إن الأمر الوحيد والأخير الذي تم إعطاؤه هو: "أطلقوا النار على الجميع، منشقين ومتمردين. ستتم ملاحقة كل من يترك موقعه".
     شن الجيش السوري الحر بتاريخ 1 كانون الأول 2012  أول هجوم له على الأكاديمية بواسطة مدافع الهاون. إن نظرنا إلى ما هو أبعد من الرهان الإستراتيجي، يريد الجيش السوري الحر الاستيلاء على مدرسة المشاة للحصول على الأسلحة الموجودة فيها، لأن الأسلحة تمثل مشكلته الأساسية منذ تأسيسه. كما أنه لا يملك الأموال الكافية لشرائها، ولا توجد معدات للبيع في صفقات التهريب المحلية التي يراقبها المجتمع الدولي عن كثب. لهذه الأسباب، كانت استعادة معدات النظام هي الوسيلة الأهم. استطاع أحد مفاوضي الجيش السوري الحر قبل ثلاثة أشهر شراء 20.000 طلقة كلاشينكوف بسعر ثلاثة دولارات للطلقة الواحدة، أي ضعف سعرها في السوق، عن طريق أحد الضباط المرتشين في قيادة مدرسة المشاة. كان المُفاوض أحد أعضاء لواء التوحيد الذي يبلغ عدد أعضائه عشرة آلاف رجل، والذي يقود عملية حصار الأكاديمية. قال أحد المتمردين: "قلنا لأنفسنا أننا سنقتلهم برصاصهم، ثم نستعيد البقية مجاناً".
     بدأت قذائف هاون المتمردين بالسقوط على الخطوط الدفاعية، فتخلى الرجال عن مواقعهم ولجؤوا إلى بناء القيادة العليا. قال علي الحسن: "اعتقدنا أن القوات الخاصة ستصل، ولم نكن نريد أن تنسانا". وقال أحد طلاب الضباط: "أدركنا أن كبار الضباط كانوا خائفين أيضاً". كانوا خائفين من هروب القوات، وأن يتركوهم يُقتلون. أو خائفين من البقاء والتعرض للذبح، إنهم خائفون من كل شيء. كان قائد المدرسة يُطمئن الجميع قائلاً: "انتهت قوات النخبة لتوها من تنظيف حلب التي أصبحت مُحررة. إنهم قادمون". وقام بعض الضباط من حوله بمعانقة بعضهم البعض. ولكن الحقيقة هي أن قواعد الجيش النظامي تنتظر منذ فصل الصيف وصول تعزيزات الفرقتين الثالثة والرابعة، الأكثر تدريباً، لكي يستعيدوا السيطرة على المدينة. ولكن أعمال العنف وصلت إلى دمشق، ولم يتحرك أي جندي من العاصمة.
     جرى دفن موتى الهجوم الأول على مدرسة المشاة باستخدام البلدوزر، كل خمسة قتلى معاً. وتسارعت وتيرة الانشقاقات في الليل. وتم حرق  الأبواب والنوافذ في محاولة لتخفيف حدّة البرد داخل الخطوط الدفاعية. قال أحد الضباط متوسلاً: "إفعلوا ما تريدون، ولكن إبقوا في أماكنكم. وإلا سيذبحكم تنظيم القاعدة". بدأ احتياطي الطعام بالنفاذ، وأخطأت الطائرة المروحية المُكلفة بإلقاء الإمدادات، فألقتها في الجانب الآخر من الجدار. قام قائد المدرسة بشتم الطيار عبر الراديو، ولكن الطيار أجاب ضاحكاً: "أنت جائع؟ هذه ليست مشكلتي". كانت القاعدة تأكل أي شيء، العشب والسيجارات، وتشرب ماء المطر.
     كان القناصة المتمردون يراقبون الموقع بشكل دائم. لم يعد أحد يتحرك، كانوا قابعين في أماكنهم طوال اليوم، كل اثنين أو ثلاثة معاً، وكان هناك حذر متبادل بين الجميع. لا تبدأ الحركة إلا بعد غياب الشمس. يذهب الجميع إلى المطابخ على أمل سرقة شيء ما. قال أحد الجنود: " كنا مثل الكلاب فيما بيننا، ونطلق النار على بعضنا البعض من أجل بعض الرز. كانت قلوبنا مليئة بالحقد". لم يبق إلا مئة عسكري تقريباً بعد انشقاق البعض وموت أو جرح البعض الآخر. ، قال أحد الجنود: "كان هناك ضابط مسيحي اسمه (أوجين) مع طالبين علويين. لقد احتفظ كل منهم بطلقتين في جيبه لكي لا يتم أسرهم أحياء. لقد قاتلوا حتى النهاية وهم يهتفون من أجل بشار".
     بتاريخ 15 كانون الأول، استيقظ السائق والضابط المرافق لقائد المدرسة مع أشعة الصباح الأولى. كانت الأسرّة فارغة بجانبهما. لقد هرب قائد المدرسة ونائبه خلال نومهما، قال أحد الجنود العلويين، طويل القامة وشعره أشقر وعيونه زرقاء: "أدركنا حينها أنها النهاية". كان هناك حوالي خمسين مريضاً في المستوصف، بعضهم نائم على الأرض. لم يشربوا إلا الماء المُحلى منذ ستة أيام، ولم يتلقوا أي علاج منذ انشقاق الأطباء الثلاثة. دخل أحد الضباط إلى قاعة المستوصف قائلاً: "ليهرب كل من يستطيع الوقوف". لم يتحرك أحد، ولا أحد يستطيع التحرك. قام هذا الضابط بحمل شخص واحد، وهو أحد أقربائه. وفي زاوية أخرى،  كان بقية الجرحى يتوسلون عدم التخلي عنهم. أكد أحد العلويين الناجين أن أحد الجنود صرخ قائلاً: "انشق ضابط كبير، لقد تخلّوا عنا"، ثم حمل بندقيته وأطلق الرصاص على الجميع. وأضاف هذا العلوي الذي يُعالج اليوم لدى المتمردين قائلاً: "تولّد لدي الانطباع حينها بأن النظام ينهار أمام عيني".
     أمام المدخل الرئيسي، قامت مجموعة صغيرة من الضباط العلويين بتجهيز ثلاث دبابات وعربتين مدرعتين روسية الصنع. إنهم يريدون محاولة الخروج بالقوة عبر الباب الرئيسي والوصول إلى سجن حلب على مسافة عشرة كيلومترات الذي ما زال تحت سيطرة النظام. لم يكن هناك أمكنة كافية، فأطلقوا الرصاص على بعضهم البعض مرة أخرى، وسقط ثلاثة قتلى. انطلقت القافلة ووصلت إلى هدفها. أما المتمردون، فقد دخلوا الأكاديمية، وأسرعوا باتجاه مستودعات الأسلحة. لم يتم العثور على أسلحة كيميائية.
     توقفت سيارة أجرة صفراء اللون في الشارع الرئيسي بقرية المارع الواقعة على مسافة 15 كيلومتراً. كان يوجد في الصندوق الخلفي للسيارة جندي علوي. لقد ذهبت إحدى العائلات التجارية إلى الأكاديمية لكي تأسره حياً عندما علمت أن الأكاديمية سقطت بأيدي المتمردين. اقترب أحد أقرباء العائلة وأطلق رشقة رصاص داخل الصندوق الخلفي. ثم تم إخراج جثة الجندي العلوي الدامية، واقترب قريب آخر من العائلة ليُطلق عليه رصاصة أخرى صارخاً: "الله أكبر". ثم قامت العائلة بأكلمها بالتقاط صور مع الجثة بواسطة الهواتف الجوالة. قبل يوم من هذا الحادث وأثناء الحصار، قتل قناص علوي أحد أفراد العائلة، وقال أحد أفرادها: "أردنا الانتقام".
      لقد قُتِل 150 عسكرياً في مدرسة المشاة، بالإضافة إلى أسر سبعين آخرين، في حين هرب حوالي 250 منهم أثناء الحصار، وبقي جزء منهم في المنطقة، وهم الذين قمنا باستجوابهم.