الصفحات

الأربعاء، 23 كانون الثاني، 2013

(مجزرة جامعة حلب: شاهد يتهم قصفاً جوياً)


صحيفة اللوموند 23/1/2013 بقلم مراسلها بقرية عتمة في شمال سورية لويس روت Lewis Roth

     كانت جامعة حلب المكان الوحيد الذي تُسمع فيه صوت الثورة في حلب، ولكنها صمتت بعد وصول الحرب إلى حلب بشكل مفاجىء بتاريخ 22 تموز 2012، وتوقفت المظاهرات الخاطفة ولعبة القط والفأر مع الأجهزة الأمنية في الجامعة. قال (محمد ـ 23 عاماً): "عندما عُدنا بعد نهاية العطلة الصيفية، انخفض عددنا إلى الثلث. لقد التحق البعض بالمتمردين، وبقي البعض الآخر عند والديه، ولم يكن أمام البقية إلا خيار الدراسة".
     وصلت الحرب إلى جامعة حلب يوم الثلاثاء 15 كانون الثاني عندما وقع فيها انفجاران أديا إلى مقتل حوالي تسعين شخصاً وجرح 150 آخرين. كان (محمد) في الجامعة عندما وقع الانفجار، وعاد بعدها إلى قريته بالقرب من الحدود التركية، والتقينا معه فيها. كان يلعب بكرة الطاولة في مبنى كلية العلوم الساعة الواحدة ظهراً عندما وقع الانفجار الأول، قال (محمد): "أسرعت إلى الخارج عندما وقع الانفجار في الجانب الآخر من شارع المدينة الجامعة. تحطمت جميع النوافذ، وتهدمت واجهة المبنى". كانت الأنقاض في كل مكان، وكانت هناك أحجار وجثث بدون رؤوس أو بدون أرجل أو بدون أيدي أو بدون الثلاثة معاً، و"حتى الأشجار كانت مُغطاة ببقايا الجثث". لقد صادف إمرأة مذعورة وبيدها حذاء ابنتها وبداخله قدم صغيرة. تابع (محمد) قائلاً: "ثم صرخ الناس وهم يُشيرون إلى السماء: طائرة، طائرة!"، ثم انعطفت الطائرة واتجهت نحو الغرب. ثم سمع (محمد) صوت انفجار ثان في اللحظة التي عادت بها الطائرة مرة أخرى فوق الجامعة. لم يتسن له الوقت للتأكد من مكان الانفجار بالضبط، ولكنه قام بتصوير واجهة المبنى بهاتفه الجوال قبل وصول التلفزيون الحكومي. صادف (محمد) سيارات الإسعاف الأولى عندما كان يتوارى عن الأنظار. أدرك حينها أن أجهزة الأمن التي تحرس مداخل الجامعة عادة، قد اختفت.
     عندما وصل إلى منزله بعد عشر دقائق، اكتشف أن التلفزيون الرسمي أعلن عن وقوع عملية تفجير إرهابية بسيارة مُفخخة أمام الجامعة. قال (محمد): "هذا غير معقول، لا يمكن لأي سيارة أن تقف على بعد أقل من ثلاثين متراً. الرصيف عريض جداً. من المؤكد أن القذائف جاءت من الطائرة". نرى جيداً في الصورة التي التقطها (محمد) أنه ليس هناك إلا سيارة واحدة واقفة على الرصيف، وقد تحطم نصفها. لم ينقلب هيكل السيارة، ولم تتحطم أو تنقلب على ظهرها. لقد تضررت فقط المنازل الموجودة في أسفل ووسط البناء، ولم تصل الأضرار إلى واجهة المبنى بكاملها، كما حصل خلال عمليات التفجير السابقة بالسيارات المفخخة في دمشق وحلب.
     احتدم الجدل مساء اليوم نفسه على شبكات التواصل الاجتماعية بين معارضي ومؤيدي النظام. احتمى المؤيدون خلف رواية بديلة لمواجهة وابل الشهادات القائلة بوجود طائرة مقاتلة في سماء حلب في لحظة الهجوم، وأشاروا إلى أن المتمردين أطلقوا صاروخ مضاد للطائرات، ولكنه أخطأ هدفه وسقط على الجامعة. اعتبر (محمد) أن النظام السوري يتحمل بدون شك مسؤولية الهجوم، وقال: "ولكن لا أفهم لماذا يُهاجم الجامعة؟ لم يعد يحصل فيها أي شيء. أصبح عددنا قليل جداً لدرجة أننا لم نعد نُمثل تهديداً". يوجد داخل الجامعة موقع مدفعي تابع للجيش السوري منذ فصل الخريف،ولم يُهاجمه المتمردون خوفاً من الأضرار الجانبية. الغريب في الأمر أن البناء الذي تعرض للهجوم، تسكن فيه عائلات النازحين من حي صلاح الدين، بعد تدمير منازلهم بشكل كامل بسبب المعارك.
     جاء الجواب على السؤال الذي طرحه (محمد) في اليوم التالي عبر البيان الرسمي الصادر عن وزارة الخارجية السورية حول التدخل الفرنسي في مالي، وجاء فيه: "في الوقت الذي يدّعي فيه البعض، ولاسيما الدول الغربية، أنهم يريدون مكافحة الإرهاب في مالي ـ ونحن ندعم المعركة ضد الإرهاب أينما كانت ـ فإنهم يدعمون الإرهاب في سورية". تُمثل العملية الفرنسية في مالي فرصة جيدة للنظام السوري الذي ينوي الاستفادة منها أقصى ما يمكن: فقد تراجع الاهتمام بالحرب في سورية، وعزز خطاب النظام حول ادعائه "بمكافحة الإرهاب" الذي كان جوابه الوحيد منذ بداية الثورة في آذار 2011. لقد ارتفعت الحصيلة اليومية لأعمال العنف في سورية من حوالي مئة قتيل يومياً إلى حوالي مئتي قتيل يومياً منذ بداية الهجوم الفرنسي على مالي.