الصفحات

الأربعاء، 23 كانون الثاني، 2013

(لنحترم صورة الشعب السوري)


صحيفة الليبراسيون 23/1/2013  بقلم تجمع للسينمائيين السوريين باسم (أبو نظّارة ـ Abounaddara)

ملاحظة من المدونة:  يترأس تجمع (أبو نظّارة) المخرج السوري للأفلام الوثائقية شريف كيوان وهو الناطق الرسمي باسم شركة (أبو نظّارة) لانتاج الأفلام. قام الكاتب بترجمة كتاب (الملكة والخطاط ـ يهود دمشق) للمؤلف موسى عبادي والذي صدر باللغة الفرنسية عام 1993. كان موسى عبادي كاتباً وناقداً مسرحياً، غادر سورية بلده الأم عندما كان عمره 20 عاماً من أجل الدراسة في فرنسا، ثم أسس فيها مع زوجته (أوديت) شبكة مارسيل Marcel التي قامت بانقاذ 527 طفلاً يهودياً خلال الاحتلال الألماني. يوجد قبره في مدينة باريس. هذه المعلومات نشرتها صحيفة الليبراسيون بتاريخ 18 آب 2011 عندما نشرت مقالاً حول  سورية بقلم المخرج شريف كيوان بعنوان: (عزيزي موسى عبادي، إن مُخادعينا قد انهاروا)، ويمكن قراءته في نهاية هذا المقال.

     لا يُشبه بشار الأسد صورته. يُقال أنه رئيس ميليشيا، وأنه رجل مخلص جداً، وطاغية دموي، وقاتل بالجملة. ولكن تظهر على ملامحه صفات الرجل المحترم مع ابتسامة متعالية وزأزأة مُحببة. يجب أن نعلم أن جنود الطاغية يقتلون الأرامل والأيتام. من الصعب عدم الشعور بالشك عند رؤية هذا الرجل المحترم على مسرح الأوبرا بدمشق، عندما ألقى كلمته مؤخراً وأظهر نفسه كضامن للوحدة الوطنية تجاه الجهاديين الشريرين.
     لا تُشبه سورية أيضاً صورتها. قيل لنا أن هذا البلد قومي وعلماني، وأنه شَهِد عملية تحديث عميقة على الصعيدين السكاني والتعليمي، وأنه مستعد مثل تونس للانضمام إلى النموذج الديموقراطي العالمي. ولكنهم يُغرقوننا الآن بصور بلد غارق في "الحرب الأهلية" أو حتى في "الصوملة"! إذا نظرنا إلى هذه الصور التي تنشرها كبرى وسائل الإعلام، فمن الصعب ألا نشعر بالشك، وأن نتساءل فيما إذا كان يجب إرسال طائرات رفال الفرنسية أو F16 الأمريكية لمساعدة هذا الرجل المحترم في مسرح الأوبرا بدمشق، والقضاء على أنصار تنظيم القاعدة.
     هناك غموض في الصور، ويستفيد منه بشار الأسد على حساب عشرات الآلاف من ضحاياه المؤكدين. إن المسؤول الأول عن هذه الخدعة بلا شك هو النظام البعثي الذي حرم المجتمع السوري من صورته. لقد وصل هذا النظام إلى السلطة بعد انقلاب مُسلّح عام 1963، وكرّس صورة شمولية عن سورية بعد أن طرد النخب الليبرالية، وأمّم المجتمع المدني، واحتكر الانتاج الثقافي والفني. وهكذا لم يبق أمام السوريين إلا الصورة الرسمية لبلد مُوحّد خلف رئيسه الذي يُفترض أن يكون الضمان الوحيد للسلام والعلمانية والقومية العربية، هذا البلد المعروف باسم "سورية الأسد"!
     لقد حافظت وسائل الإعلام الأجنبية أيضاً على هذا الغموض عبر الاكتفاء بالنظر إلى سورية عبر الموشور الجيوسياسي والفولكور أو "الشرق المُعقد". لأنه تم إنتاج الكثير من "المواضيع"، كما يُقال باللغة الإعلامية، والأفلام الوثائقية حول شخصية الطاغية والنزاع مع إسرائيل وملذّات المدينة والمسيحيين في الشرق. ولكن هل تم القيام بذلك من أجل رؤية وسماع المجتمع السوري الذي كان محكوماً عليه بألا يكون مرئياً من قبل الطاغية الذي انتفض هذا المجتمع ضده حالياً؟ وكيف يمكن إعطاء الكلام إلى هذا المجتمع الذي يبدو أن حتى وجوده هو مثار شك، لأنه لا يملك الحق بالظهور في وسائل الإعلام؟
     اختارت وسائل الإعلام العربية والغربية الهروب إلى الأمام بدلاً من القيام بعملية نقد ذاتي كما فعلت في الماضي. منذ بداية الثورة السورية في آذار 2011، أرادت وسائل الإعلام العربية والغربية التغلب على التعتيم الذي يفرضه النظام، واستدارت نحو أشخاص نصّبوا أنفسهم ممثلين جدد لهذا المجتمع (معارضون سياسيون وناشطون ومواطنون ـ صحفيون وفنانون و...). للأسف، إن هؤلاء الممثلين الجدد للمجتمع يتجهون نحو استثمار الخطاب الإعلامي لتصغير الثورة وتبسيطها بشكل ساذج إلى معركة بين الخير والشر، بين الشعب والوحش في السلطة...
     إن شدة التركيز على شخصية الوحش وتكرار أن أيامه معدودة، أدى في النهاية إلى نزع المصداقية عن المؤسسات الإعلامية. كما أن التركيز على الثورة عبر موشور الجهاد، أعطى المصداقية لصورة بشار الأسد الذي ينتقد المؤامرة الجهادية. كما أن التركيز على رؤية المجتمع السوري عبر صور مُشتبه بها، أدى إلى تعزيز نظرة أولئك الذين يشكّون بوجود هذا المجتمع.
     يُقاتل المجتمع السوري اليوم من أجل الدفاع عن وجوده تجاه دولة الميليشيا التي تحاول تدمير جميع أشكال التواصل الاجتماعي. إذا نجح هذا المجتمع بالبقاء، ربما سيكون بإمكانه المشاركة في "الموعد مع الحضارات" الذي وعدنا به علماء السكان وحكماء المتوسط. إذا لم ينجح المجتمع بالبقاء، ربما سيغرق في الفوضى التي ستكون مثار سعادة كبيرة لبشار الأسد والجهاديين بجميع أشكالهم.
     بالنسبة لنا نحن السينمائيين السوريين، نحن منخرطون تماماً في هذه المعركة. نقوم بإخراج أفلام عاجلة لإظهار مجتمعنا وهو يقع فريسة للبربرية. وهناك الكثير من الفنانين أو المواطنين السوريين المجهولين الذين يقومون مثلنا بإنتاج صور بديلة وبنشرها على الأنترنت مثل الزجاجات الملقاة في البحر. إننا مؤمنون بأنه بالإمكان تمثيل المعركة من أجل الحرية دون الغرق في الفولكور، وإظهار الرعب دون الاستسلام أمام المناظر الوحشية، والحديث عن الجهاد دون نسيان وزنه النسبي. إن اللبيب من الإشارة يفهم، سلامات!

 (عزيزي موسى عبادي، إن مُخادعينا قد انهاروا)   
صحيفة الليبراسيون 18 آب 2011  بقلم المخرج السوري شريف كيوان

     ستُغير الثورة وجه بلدنا قبل أن تنفذ الطبعة الأولى من كتابك، ولا يمكنني تخيّل كيف سيكون وجه الشرق الأوسط عندما ستصدر الطبعة الثانية أو الثالثة من كتابك. يجب أن أتحدث في مقدمة الطبعات القادمة لكتابك عن الشخصيات الهدّامة في كتابك ابتداء من الخياط العجوز الذي ينزل إلى الشارع يوم الجمعة لكي يطلب من الله أن يرسل له ثورة. يجب أن أعترف أنني لم أجد أثراً لهذا الشارع في دمشق، ولكن بعد أن اعتاد مواطنونا النزول إلى الشارع يوم الجمعة من أجل استعجال الثورة، قلت لنفسي أنه لن ينقصني الخيال أو الشجاعة. لم أكن أتصور أن شباب بلدنا يستطيعون التحرر من الأسد والله لدرجة تحويل يوم الصلاة الأسبوعية إلى مكان للمواطنة الثورية، ربما يعود السبب في ذلك إلى أنني عرفت بلدنا تحت حكم حزب البعث.
     تبدو شخصيات كتابك كرُوّاد أو كطريق جديد ينفتح أمامنا، وأشير هنا إلى شخصية علي ذو الساق الواحدة، هذا الرجل الفظ والغامض الذي يفرض سيطرته عن طريق الخداع، ويمضي وقته في إخافة صيصانه معتبراً نفسه كالسلطان. يوجد هنا تشبيه بالنظام البعثي الذي يجب إدراجه في الكتب المدرسية لأطفالنا، كما هو الحال بالنسبة لحكاية الملك العاري.
     هل يجب العودة، كما دعوتنا، إلى الأسباب التي أدت إلى تصديق خدع النظام البعثي ذو الساق الواحدة والذي نصّب نفسه سلطاناً أو "قائداً أبدياً". لقد برهن السوريون أنهم كانوا عمياناً عندما صدقوا وعود حافظ الأسد في بناء أمة على غرار صلاح الدين انطلاقاً من أسس مخادعة ووهمية. ويبدو أن العالم الحر صدّقه أيضاً ابتداء من هنري كيسنجر الذي رأى في هذا المخادع بسمارك الشرق وجاك شيراك الذي تعامل معه كرجل دولة كبير قبل أن يتعهد برعاية ابنه.
     لنعود إلى الأسس المخادعة والوهمية! ظهرت خلال الحقبة الاستعمارية في الشرق الأوسط أهم نظامين مخادعين هما: شخصية علي ذو الساق الواحدة والملكة صالحة ستيتية المُلقبة بالحمامة الفاضلة التي تسعى إلى جر رعاياها اليهود إلى مملكتها الغامضة التي يظهر فيما بعد أنها مملكة وهمية. أعرف أنك غاضب مني لأني تحدثت كثيراً في مقدمة الكتاب عن الملكة صالحة الشريرة ولم أتفوه بكلمة عن شريكها ذو الساق الواحدة. لم أكن أستطيع في ذلك الوقت إلا أن أشبّه الملكة بالصهيونية لأن أية إشارة إلى البعث ستؤدي إلى منع كتابك واعتقالي، ولكن الأمور تغيرت الآن وأظهرت الثورة أن الصهيونية والبعثية يُشكلان وجهين لعملة واحدة، وهذا ما كان مُحرّماً عند صدور كتابك في شهر كانون الثاني 2011. يقول البعثيون للجميع وفي كل مكان: "إذا سقطنا، سيسقط شركاؤنا في تل أبيب أيضاً!". ويعترف الصهاينة أنهم كانوا ينظرون دوماً بشكل إيجابي للأسد الابن وللمأسوف عليه الأب ذو الساق الواحدة.
     أعرف أنك كنت مضطراً لأن تقول بأنك مسلم وليس يهودي، ولكن يجب أن تعرف بأن المتظاهرين في يوم الجمعة لا يبالون بالهويات الدينية في صراعهم من أجل الحرية. يجب أن تعرف أن كتابك يلقى إقبالاً كبيراً في مكاتب دمشق.