الصفحات

السبت، 19 كانون الثاني، 2013

(سورية: ربما تم استخدام سلاح كيميائي في حمص)


صحيفة اللوموند 19/1/2013  بقلم ناتالي نوغايرد Natalie Nougayrède

     أكدت مصادر في أجهزة الاستخبارات الغربية إلى صحيفة اللوموند أن النظام السوري استخدم سلاحاً كيميائياً ضد المعارضين في حمص بتاريخ 23 كانون الأول 2012. وأشار المصدر نفسه إلى أن العديد من الدول الغربية تسعى اليوم إلى تكذيب وإخفاء هذه القضية "لكي لا يكونوا مضطرين للتحرك"، وذلك بعد أن صرّحت عدة دول غربية في عام 2012 أن مثل هذا السيناريو يُشكل تجاوزاً لـ "الخط الأحمر" ويمكن أن يؤدي إلى البدء بتدخل مُسلّح في سورية.
     أكد هذا المصدر قائلاً: "أن النظام السوري استخدم سلاحاً كيميائياً غير قاتل ويشلّ عن القتال لفترة مؤقتة، ولم نستطع معرفة اسمه بسبب عدم وجود عيّنات منه. لقد تم تحميل هذه المادة في أربع قذائف صاروخية، وتم إطلاقها. أثار هذا الحادث تحركاً دولياً قوياً جداً باتجاه السلطة في دمشق، ولاسيما من قبل روسيا. نحن واثقون بأن النظام السوري لن يُعيد الكرّة".
     تقوم بعض شبكات الناشطين السوريين منذ 23 كانون الأول بجمع شهادات السكان والأطباء في حمص المُقتنعين بأنه تم استخدام سلاح كيميائي في هذا التاريخ في حي البياضة الذي كانت تدور فيه معارك بين القوات الحكومية والمتمردين. تقول هذه الشهادات أن الغاز ربما أدى إلى موت عدة أشخاص بالإضافة إلى عشرات حالات التسمم. لقد أظهرت أفلام فيديو على الأنترنت بعض الأشخاص الذين يعانون من حالات غثيان خطيرة واضطرابات تنفسية وإقياء، واختنق بعضهم. ولكن نظراً لعدم القدرة على التأكد من صحة هذه المعلومات، ولأن مصدرها هو من الناشطين ضد الأسد، فإن أي تأويل لها  سيُثير الكثير من الشكوك.
     صرّح الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الفرنسية فيليب لاليو Philippe Lalliot رداً على سؤال طرحته صحيفة اللوموند يوم الخميس 17 كانون الثاني قائلاً، يبدو أن كل كلمة كانت محسوبة بدقة: "لقد تحققنا عن قُرب، من هذه المعلومات، ولاسيما أفلام الفيديو المُتداولة. لا نستطيع تأكيد استخدام غاز قتالي أو مواد كيميائية غير قاتلة". إنه ليس نفياً قاطعاً، ولكنه تعبير عن تحفظ حَذِر.
     كانت الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية الأمريكية فيكتوريا نولاند قد أدلت بتاريخ 16 كانون الثاني بتصريح مشابه رداً على أسئلة الصحفيين المُلحّة، وقالت: "لقد تحققنا من المعلومات التي حصلنا عليها، ولم نجد أي عنصر يتصف بالمصداقية لكي يسمح لنا بتأكيد استخدام الأسلحة الكيميائية". كان هذا التصريح رداً على تحقيق نشرته مجلة السياسة الخارجية Foreign Policy على موقعها الإلكتروني قبل يوم واحد من هذا التصريح. لقد كشف هذا التحقيق عن مضمون برقية دبلوماسية قام بإرسالها القنصل الأمريكي في استانبول سكوت فريدريك كيلنر Scott Frederic Kilner إلى واشنطن قبل أسبوع.
     كانت وزارة الخارجية الأمريكية قد كلفت هذا القنصل بجمع المعلومات حول الهجوم الكيميائي في حمص. وقد توصّلت البرقية إلى أن السلطة السورية ربما استخدمت العنصر 15، وهو سلاح كيميائي يشل عن القتال لفترة مؤقتة، ويُشكل هذا السلاح جزءاً من ترسانة النظام. لم تنف السيدة نولاند وجود هذه البرقية، ولكنها استبعدت النتيجة التي توصلت لها البرقية.
     اعتبر مصدرنا المذكور أعلاه أن عرض الأحداث بهذا الشكل من قبل المسؤولين الأمريكيين كان كاذباً، وقال: "يعرف المسؤولون الأمريكيون تماماً أنه سلاح كيميائي"، وأكد قائلاً: "تم اتخاذ قرار استخدام السلاح الكيميائي في أعلى مستويات السلطة السورية". ربما كان بشار الأسد يريد امتحان ردة فعل الدول الغربية. إذا كان ذلك صحيحاً، يمكنه ملاحظة أن ردة الفعل كان صامتة، وعلى الأقل علناً.
     كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد صرّح بتاريخ 20 آب 2012 بأن استخدام الأسلحة الكيميائية أو فقدان السيطرة عليها يعني تجاوز "الخط الأحمر" وأن "نتائج ذلك ستكون هائلة". ولكن لم يتم تحديد طبيعة هذه "النتائج الهائلة" بدقة، ولم يتم التمييز بين سلاح كيميائي قاتل أو غير قاتل. واعتبر البنتاغون أن القيام بتدخل من أجل تأمين مخزون الأسلحة الكيميائية يحتاج إلى 75000 رجل.
     تُعتبر الترسانة الكيميائية السورية هي الترسانة الأكبر في الشرق الأوسط، وتضم غاز الخردل والساران والغاز VX. ويراهن بعض المحللين على إمكانية وجود كمية من Kolokol-1، وهو عنصر يشل عن القتال لفترة موقتة، وقد  استخدمته القوات الأمنية الروسية خلال احتجاز الرهائن في مسرح دوبروفكا في موسكو في شهر تشرين الأول 2002.
     أشار وزير الدفاع الأمريكي ليون بانيتا بتاريخ 11 كانون الأول في لقاء صحفي إلى أن خطر استخدام الأسلحة الكيميائية يبدو ضعيفاً. إن السبب في ذلك حسب مقال نشرته مؤخراً النيويورك تايمز هو "التحرك غير المسبوق" الذي قامت به عدة دول، منها روسيا والعراق، لمنع وقوع أسوأ الاحتمالات. لقد ادّعت روسيا أن لديها ضمانات من سلطة دمشق حول السيطرة على المخزون الكيميائي: هل كان ذلك مقابل التهديد بسحب دعمها؟
     أشار مصدرنا في أجهزة الاستخبارات الغربية إلى أن مخزون الأسلحة الكيميائية السورية القاتلة، قد تم نقله في بداية شهر كانون الأول إلى أماكن تخزين أكثر أماناً. أكد الخبير مارك فيتزباتريك Marc Fitzpatrick من معهد IISS في لندن، أن نظام الأسد وصل إلى مرحلة إستراتيجية اليأس، وأنه لم يتوقف عن تجاوز عتبات عسكرية جديدة، لدرجة إطلاق صواريخ سكود ضد شعبه. يقترح هذا الخبير فرضية أن الأسد فكّر بأن استخدام "سلاح كيميائي غير قاتل ربما يكون أكثر قبولاً بالنسبة للدول الغربية بالمقارنة مع سلاح كيميائي قاتل".
     يمكن أن يكون هناك فرضية مُكملة أخرى هي:  أن الضغط الروسي ـ الأمريكي على نظام دمشق من أجل عدم اللجوء مرة أخرى إلى هذه الأسلحة الكيميائية، ربما ارتكز على مقايضة صمت الدول العظمى مقابل ضمان أن يكون حادث حمص هو الاستخدام الأخير لهذه الأسلحة.