الصفحات

السبت، 12 كانون الثاني، 2013

(رامي عبد الرحمن: خيّاط كوفنتري الذي يُمسك بحسابات المجازر)


صحيفة الفيغارو 7/1/2013  بقلم مراسلها في مدينة كوفنتري البريطانية Iseult Cornalin

     كان لا بد من القيام بعدة اتصالات مع رامي عبد الرحمن (اسم مستعار) ومع مُساعدته لإقناعه باللقاء معنا. كما أنه لا يقبل باستقبال أحد في بيته أو في محلّه لبيع الألبسة. لقد جرى اللقاء في أحد المقاهي بمدينة كوفتنري البريطانية لأسباب تتعلق بأمن عائلته حسب قوله.
     يقوم رامي عبد الرحمن منذ عام 2006 بإدارة المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي يُمثل مصدر المعلومات الأكثر شمولاً ـ وبالتأكيد الأكثر موثوقية ـ حول الاضطرابات وأعمال العنف في سورية. تقوم أهم وكالات الصحف الدولية بنشر معلوماته دون تغيير.
     وصل رامي عبد الرحمن إلى بريطانيا بتاريخ 10 حزيران 2000. إنه الطفل الأصغر من عائلة سنية فيها تسعة أطفال. لقد غادر سورية ومدينته بانياس عندما كان عمره 29 عاماً لأن "العيش فيها أصبح يُمثل خطراً كبيراً على حياتي". كان يُناضل منذ سنوات المراهقة ضد ظلم النظام، وقال: "كان عمري سبع سنوات عندما جاء رجال الشرطة ليضربوا اثنتين من أخواتي لأنهما كانتا تلعبان على سطح منزلنا. عندما عاد والدي، ذهب ليقدم شكوى لدى القاضي المحلي ضد تصرف رجال الشرطة، ولكن لا أحد يريد الإدلاء بشهادته ضدهم، لأن الجميع يخافون منهم. اكتشفت في هذا اليوم أن الناس لا يُعاملون بالطريقة نفسها، وبدأت أتساءل لماذا".
     في مرحلة الدراسة الثانوية، قام بتأسيس "المجموعة الموحدة للديموقراطية" وبتوزيع المنشورات. فيما بعد، تم اعتقاله وسجنه لعدة مرات ولفترات قصيرة قبل أن يُهاجر من سورية. يستقبل اليوم مكالمات هاتفية مستمرة على هاتفيه الجوالين، وقال: "أنام بين ساعة وخمس ساعات يومياً، لأنني أبقى على اتصال دائم مع 200 شخص في سورية، وأنا الشخص الوحيد الذي يقوم بتجميع المعلومات". تتألف نواة شبكته من حوالي خمسين شخصاً كان يعرفهم قبل مغادرته لسورية، وقال: "إنهم من الشباب المتعلمين والصادقين بشكل أساسي". مع مرور الوقت، اتسعت هذه الشبكة، وتم استبعاد البعض منها بسبب قلة الثقة بمعلوماتهم. لكي يضمن الأمن الشخصي لعناصر شبكته، فإن أعضاءها لا يعرفون بعضهم البعض. ولكي يتأكد رامي عبد الرحمن من صحة معلوماتهم، لا يقوم بنشرها إلا بعد مقارنتها عدة مرات، وقال: "هذه المعلومات هي مصداقيتي، وبالتالي، لا أستطيع أن أثق بأي شخص. لا أثق بالسلطات السورية ولا بالمعارضة: إن كلاً منهما لديه مصالحه، ولا يتصفان بالحياد، ومعلوماتهما غير موضوعية".
     يتعرض رامي عبد الرحمن دوماً إلى انتقادات مستمرة من نظام بشار الأسد الذي يتهمه بأنه يعمل لمصلحة الأجنبي وبأنه لعبة في أيدي المعارضين "الإرهابيين". إنه يعتبر هذه الاتهامات بأنها دليل على نجاحه في عمله، ويقول: "لو لم أكن أقول الحقيقة، لما هاجموني بهذه الضراوة من أجل تدمير سمعتي. إن جميع معلوماتي المنشورة تظهر صحتها فيما بعد". إن هذا الموقف لا يجعله أكثر قبولاً لدى المعارضة، وقال: "أريد الديموقراطية من أجل بلدي، وليس نظاماً متسلطاً أو متطرفين إسلاميين أو تنظيم القاعدة. هناك بالتأكيد مشاكل بين العلويين والسنة منذ وقت طويل، ولكن الجميع ومن ضمنهم الأقليات الكردية والمسيحية و...، يجب أن يعيشوا بسلام".
     يعاني رامي عبد الرحمن وعائلته من نتائج هذا الخيار، وذلك بانتظار قدوم هذا العصر الجديد. قال رامي عبد الرحمن: "يُقيم أحد أخوتي أيضاً في كوفنتري، ولكنه يخاف اليوم من زيارتي في بيتي. كما تقول لي زوجتي مراراً، مع نوع من الملل، أنني أحلم وأنني أفسدت حياتنا الطبيعية في سورية. ولكن لم تكن حياتنا طبيعية في سورية، نظراً لأن الجميع لا يتمتع بالمساواة أمام القانون! لقد فهمت وجهة نظري. إنها تهتم حالياً بالمحل الذي يسمح لنا بالعيش وتمويل نشاطاتي".
     لا تقوم وسائل الإعلام بدفع أتعاب عمله، ولا يتلق أي تمويل خارجي. وقال: "اقترح البعض تمويل عملي، ولكنني لا أريد الحصول على أموال الحكومات أو المؤسسات، وإذا لم أفعل ذلك، سوف يتحكمون بي. يقول العديد من الأشخاص أنهم يريدون مساعدتي، ولكن أجد صعوبة في تصديقهم. إن الكثيرين منهم يريدون تدمير سمعتي".
     في شهر آب 2011، قام أحد الشباب السوريين المقيمين في بريطانيا بمساعدته لفترة من الوقت في إعداد النشرة الانكليزية للموقع الإلكتروني للمرصد السوري لحقوق الإنسان، ولكنه ادعى بعد ذلك بأنه هو المؤسس الحقيقي لهذا المرصد. قال رامي عبد الرحمن: "من أجل إظهار الحقيقة، اضطررت إلى تقديم جميع فواتير الموقع الإلكتروني منذ تأسيسه، والتي تم إرسالها باسمي الحقيقي. ولكن بالتأكيد، أدى ذلك إلى تشويه سمعتي في الخارج لبعض الوقت، وكان ذلك هو الهدف الحقيقي من الأمر". يتلقى رامي عبد الرحمن حالياً مساعدة مجانية من قبل أحد الفنيين المقيمين في بريطانيا من أجل إدارة الموقع الإلكتروني للمرصد وصفحة الفيسبوك، بالإضافة إلى مساعدة خمسة ناشطين في الخارج.
     قال رامي عبد الرحمن: "لم يعد لدي أي اتصال مع عائلتي التي بقيت في سورية. إنهم خائفون. لقد جاء والدي إلى هنا قبل عدة سنوات، ولكنني لم أشاهد والدتي منذ مغادرتي لسورية قبل 12 عاماً. تم وضع صورة كبيرة لبشار الأسد أمام منزلهم من أجل تذكيرهم بالبقاء هادئين".