الصفحات

الجمعة، 18 كانون الثاني، 2013

مقابلة مع أدونيس بعنوان: (السلطة يجب أن تنحني أمام الشعر)


مجلة اللوبوان الأسبوعية 17/1/2013. أجرت المقابلة فاليري ماران لاميسلي Valérie Marin La Meslée

     أدونيس هو أهم الشعراء العرب الأحياء، مواليد سورية، وهو من المرشحين الدائمين لجائزة نوبل. صدر له مؤخراً الجزء الثاني من (الكتاب) عن دار نشر Seuil الفرنسية.
سؤال: كتبتم في شهر حزيران 2012 رسالة مفتوحة موجهة إلى بشار الأسد لكي تطلبوا منه إرساء الديموقراطية، ثم دعوتمونه بعد شهرين عن طريق الصحافة إلى الاستقالة. ما هو رأيكم بكلمته؟
أدونيس: أنا شاعر ولست رجل سياسة. إن ما يهمني هو حرية الفرد وعلمانية المجتمع الذي يسمح بتحرر المرأة من قانون الدين. ليس هناك أي شيء جديد في كلمة الرئيس. ولكن أيضاً ليس هناك أي شيء جديد من جانب المعارضة التي لم يتغير خطابها تجاه ما هو أساسي بالنسبة لي: أي تحرير المجتمع من قبضة الدين. إن المهم ليس تغيير السلطة بل تغيير المجتمع. لا تُمثل السلطة الحاكمة ولا المعارضة هذه الحرية بشكل ملموس. تتحدث الأطراف الخارجية عن "ثورة سوريّة" في حين لا يمكن أن يكون هناك ثورة بدون فصل الدين والسلطة عن الثقافة. ولكن، بالتأكيد، الأجانب لا يهتمون بذلك. إنهم ينظرون إلى العالم العربي كفضاء إستراتيجي، ولا ينظرون إليه إطلاقاً كفضاء إنساني.
سؤال: أنتم تتحدرون من الأقلية العلوية. ماذا يعني هذا الانتماء في السياق الحالي؟
أدونيس: لا يجب إطلاقاً تمثيل شعب برجل واحد، ولا نظام برجل واحد، ولا حتى أقلية برجل واحد. يعني ذلك أن العلويين كانوا أول من قاتل نظام الأسد.
سؤال: هل الشعر هو سلاح سياسي؟
أدونيس: أرفض أن يكون الشعر وسيلة. برهنت التجرية التاريخية أن الشعر المُلتزم لا أهمية له. لنأخذ ماياكوفسكي، ولنأخذ لينين وستالين. ماذا ترون؟ يُشكل لينين وستالين جزءاً من التاريخ، وقد تجاوزهما التاريخ. بالنسبة لماياكوفسكي، إن التاريخ جزء منه، وما زال شعره يُضيء الحاضر. يجب أن تنحني السياسة أمام الشعر، لأن أي شاعر أهم من رجل السياسة. تقول السياسة إلى الناس ما يعرفونه سابقاً، إنها تُقلّد. أما الشعر فهو مثل الحب: إنه لا يُقلّد، بل يُنتج، ويساعد على الرؤية بشكل متجدد دوماً. إذا كنا نحب حقاً، لا يمكن أن نحب دوماً بالطريقة نفسها...
سؤال: منذ أطروحتكم في الفلسفة، تدعون إلى فصل الديني عن السياسي. ولكن على الرغم من ذلك، تقول التغيّرات في العالم العربي عكس ذلك تماماً.
أدونيس: المشكلة هي معرفة فيما إذا كان الإنسان موجود من أجل خلق عالم قابل للحياة أو من أجل وراثة الماضي. يستطيع الإنسان تغيير العالم بعكس الحيوان. إن الشعب، وأنا جزء منه، هو كائن جمعي يتكون من النزاعات بين أولئك الذين يريدون التغيير وبين الآخرين الذي يُعيقون التقدم للمحافظة على مصالحهم. يجب على الديموقراطية أن تتعامل مع ذلك. لقد ارتكبت الديموقراطية أيضاً بعض الأخطاء: لقد وصل هتلر عن طريق الديموقراطية... لم نعرف الديموقراطية أبداً في بلادنا العربية ولا في تاريخنا السياسي. إننا نغرق بدلاً من القيام ببعض الخطوات لتجاوز هذه الأشياء. إن جميع القوى الغربية والأوروبية تشجع غرق العرب بسبب المصالح الاقتصادية. للأسف، إن فرنسا أيضاً تدعم الأصوليين في تونس واليمن وسورية والعراق ... على الرغم من أن فرنسا بلد ثقافة وانفتاح على الآخر. أستطيع فهم أن بريطانيا والولايات المتحدة تقفان إلى جانب النفط والمال، ولكن فرنسا لا يجب أن تكون مثل الآخرين!
سؤال: في الجزء الثاني من كتابكم (الكتاب) الذي صدر مؤخراً، اخترتم المتنبي ناطقاً رسمياً: لماذا المتنبي الذي كان يعتبر نفسه مثل النبي؟
أدونيس: يرتبط تاريخه بالمعركة من أجل الحقيقة، إنه رمز الشجاعة واختراق القوانين. سأروي حكاية صغيرة: عندما سأله الحُسّاد: [لماذا تعتبر نفسك نبيّاً على الرغم من أن نبيّنا قال: "لا، لن يكون هناك نبياً بعدي"؟]، أجابهم المتنبي: [قال حرفياً: "لا، النبي بعدي". يعني ذلك أنه يوجد هناك نبي، وأن اسمه: لا]. المتنبي هو رمز الرفض والبحث والتجاوز. لقد اخترته لأنه يُظهر بأن السلطة يجب أن تنحني أمام الشعر وليس العكس. يجب رؤية الإنسان العربي عبر نصوص كبار الشعراء الذين همّشتهم الثقافة المُهيمنة، وليس عبر السياسة.
سؤال: لقد راهنتم أيضاً على نزع القداسة عن اللغة العربية؟
أدونيس: نعم، لأنه يوجد حتى الآن كلمات ممنوعة لكي نقول الجسد. كان الشعر العربي قديماً أكثر حرية، ولكن أصبح من غير الممكن الآن تسمية الأعضاء الجنسية! إن كلمة (مهبل) موجودة في القرآن للحديث عن عذرية ماري، ولكن لا نستطيع كتابتها في نص شعري.
سؤال: ما هو أصل هذه المحرمات برأيكم؟
أدونيس: لكي نفهم الثقافة العربية المُهيمنة بشكل أفضل، يجب دراستها نفسياً. إن اللغة العربية حرّة تماماً على الصعيد الجنسي، وحتى بشكل شاذ، ولكن بخفاء. هذا النفاق أمر مكروه. هذه هي قوة الثقافة الدينية المدعومة من السلطة.
سؤال: تقولون عن نفسكم: "أسطورة وثنية"، وتحملون اسماً مستعاراً هو أدونيس، وذلك على الرغم من أنكم نشأتم وكبرتم داخل الدين الإسلامي، لماذا؟
أدونيس: كان الفينيقيون القدماء يقولون أن مياه النهر الجاري بالقرب من بيروت كانت حمراء بدم أدونيس الذي قتله خنزير بري أرسله إله الحرب اليوناني Arès (أو Mars عند الرومان) الذي كان يغار من الحب الذي تكنّه أفروديت لأدونيس. لقد أثارت هذه الصورة الكثير من المشاعر المضطربة داخلي. قررت عندما كنت شاباً التوقيع بهذا الاسم، ثم أدركت بعد عدة سنوات أن هذا الاسم هو رمز ثقافي مضاد للديانات التوحيدية لأنه وثني. لقد هاجمني الأصوليون القوميون العرب والأصوليون المتدينون. لدى كل منهم أسبابه، ولكن تغيير اسم بهذا المعنى، عندما يكون اسمك علي، كان ثورة بالنسبة لهم! أحسست أكثر فأكثر أنني أصولي لا ديني، وأنني مُعادي كلياً للديانات التوحيدية، لأنها مبنية على مبادىء الوحي: النبي هو الخاتم، والحقيقة التي نقلها النبي هي الحقيقة المطلقة، ولا يستطيع الإنسان إضافة أي شيء، ويجب عليه الإيمان والتطبيق فقط... وإذا دفعنا هذا المنطق حتى نهايته، فإن الله نفسه لم يعد باستطاعته أن يقول شيئاً، لأنه أعطى الحقيقة المطلقة إلى نبيّه الآخير. بالنسبة لي، إن ذلك يعني الإسلام بشكل أساسي، ولكن هذه الرؤية تتعلق بالديانة التوحيدية بشكل عام.
سؤال: ما الذي جعل منكم هذا الكائن "اللا ديني"؟
أدونيس: أعتقد أن علاقتي بوالدي تُفسّر ذلك. لم يقل لي أبداً: "لا تفعل هذا أو ذاك" ولكن كان يقول: "القرار سهل. قبل أن تقرر، يجب أن تُفكّر". لقد ساعدني على أن أكون أكثر حرية من الآخرين. يجب أن أقول أيضاً أنني تركت بيئة القرية بمحض صدفة لا تُصدّق عندما كان عمري 13 عاماً. لقد كتبت شعراً إلى رئيس الجمهورية الذي كان في زيارة عندنا. عندما سألني كيف يشكرني، تمنيت تسجيلي في المدرسة. غيّر هذا الشعر كل حياتي! أنا وُلدّت في الشعر، وطني ليس أرضاً بل الشعر.
سؤال: تقولون أن الشاعر يحمل الأمل في العالم، ألا تشعرون بأنكم أكثر قرباُ من سيزيف عوضاً عن أدونيس؟
أدونيس: في الشعر، لكي تكون أدونيس، يجب أن تكون سيزيف في الوقت نفسه. أدونيس هو سيزيف. الإبداع هو أمل، حتى في حالة اليأس الكامل.