الصفحات

الجمعة، 11 كانون الثاني، 2013

(في سورية، الأكراد بين نارين)


مجلة اللوبوان الأسبوعية 12/1/2013  بقلم مراسلتها الخاصة جولي شنايدر Julie Schneider

     يقع أقرب مستشفى من مدينة رأس العين على الحدود التركية على مسافة ستين كيلومتراً في مدينة الدرباسية التي تم تحريرها من نظام بشار الأسد قبل شهرين. إن أصوات الرصاص التي تسمعها هذه المدينة اليوم ليست بسبب المواجهات مع الجيش السوري، لأن المقاتلين الأكراد يُقاتلون اليوم ضد إحدى كتائب الجيش السوري الحر.
     قال (جوان ـ 19 عاماً) الذي أصيب برصاصة في يده اليمنى: "قام الجيش الحر بمهاجمة موقعنا على طريق الحسكة". لم تستطع السيارة التي تقل (جوان) إلى المستشفى متابعة طريقها بسبب تلال الرمال المُكومة بالقرب من أحد حواجز التفتيش، كان العلم الكردي (الأحمر والأبيض والأخضر والشمس الصفراء) يرفرف على هذا الحاجز. يوجد حوالي 15 حاجز تفتيش بين مدينتي رأس العين والدرباسية، ويُسيطر المقاتلون الأكراد على هذه الحواجز. إن الأعلام السورية وصور حافظ وبشار الأسد المنتشرة على طول الطريق الضيق بين هاتين المدينتين، كانت إما محاطة بقلوب صغيرة أو تمت الكتابة فوقها بشكل عشوائي.
     وقع الأكراد بين نارين منذ بداية النزاع. قال (روشنا ـ 30 عاماً): "أمضى النظام سنوات هو يتهم الأكراد أمام بقية السوريين. إنه هو المسؤول الحقيقي، وليس الأشخاص الذين يُهاجموننا". وأشارت منظمة العفو الدولية إلى أن السلطة كانت تتهم الأكراد غالباً بـ "إثارة الحرب الأهلية وزعزعة الوعي الوطني".
     كان الأكراد من أوائل الذين احتجوا ضد النظام، ولكنهم ابتعدوا عن المواجهات. خلال الأشهر الأخيرة، بدأت المواجهات تتزايد بين المقاتلين الأكراد وبعض كتائب الجيش السوري الحر الذي استطاع تعزيز مواقعه مؤخراً. في نهاية شهر تشرين الأول، قُتِل عشرات الأشخاص في حي الأشرفية الكردي بحلب. قالت إحدى قادة المنطقة الكردية نجين ديريكي Nujin Deriki، التي تعرضت للأسر لبعض الوقت من قبل الجيش السوري الحر: "إن بعض عناصر الجيش السوري الحر صادقون، ولكن ليس لديهم زعامة ولا إيديولوجيا مشتركة". وأشارت إلى أنه تم تسليمها إلى الأجهزة السرية التركية التي "ضربتها وصعقتها بالكهرباء" للحصول على معلومات حول علاقاتها مع حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منظمة إرهابية.
     في شهر تشرين الثاني، وقعت أيضاً مواجهات عنيفة بين جبهة النصرة التي وضعتها الولايات المتحدة على لائحة المنظمات الإرهابية وبين المقاتلين الأكراد. لقد تركت هذه المواجهات آثارها على الرغم من أن الجيش السوري الحر ابتعد عن الإسلاميين. قال (مسعود) الذي يحمل إجازة جامعية في الفلسفة وهو أحد المقاتلين الأكراد في رأس العين: "ليس لدينا اعتراض على مقاتلي الجيش السوري الحر، ولكننا لم نعد نعرف من هم بالضبط. إذا كانوا يريدون حقاً تدمير النظام، يجب عليهم الذهاب إلى حلب ودمشق". وأضاف (فواز) قائلاً: "نحن لا نريدهم هنا. عندما يصل الجيش السوري الحر إلى إحدى المدن، يقوم النظام بقصفها ويدفع المدنيون ثمن ذلك". كما قال (فرهاد ـ 31 عاماً)، المسؤول عن حاجز التفتيش في مدخل مدينة رأس العينن والذي شارك في تأسيس وحدات الدفاع الشعبية في شهر حزيران 2011: "نحن نُدافع فقط عن مواقعنا، ولا نُهاجم. إن بشار هو الذي يستفيد من المعارك بين الجيش السوري الحر وبيننا". لم يكشف (فرهاد) عن عدد مقاتلي هذا الجيش الكردي ومصدر أسلحته، ويعمل هذا الجيش تحت سلطة المجلس الأعلى الكردي.
     عندما يعود الهدوء إلى مدينة رأس العين، يبدأ السكان بإخلاء هذه المدينة التي غادرها تسعة ألاف شخص خلال الأسابيع الأخيرة. يحاول بعض السكان عبور الأسلاك الشائلة على الحدود مع تركيا، ويتجه البعض الآخر إلى الشرق نحو القامشلي التي ما زال نظام بشار الأسد متواجداً فيها، ولكن لا يوجد فيها قصف. ما زالت هناك صورة كبيرة للدكتاتور على مبنى المخابرات، وتقوم شرطة بشار الأسد بتنظيم السير. لا يوجد هنا أعلام كردية أو أعلام للجيش السوري الحر، وتنتشر الأعلام السورية في جميع الشوارع. ولكن هناك مظاهرات ضد السلطة تخرج كل يوم جمعة على الرغم من ذكرى القمع عام 2004، عندما قامت الشرطة بإطلاق النار على جنازة كردية بمناسبة إحدى مباريات كرة القدم. كانت الحصيلة نقلاً عن منظمة العفو الدولية: 36 قتيلاً وأكثر من 2000 مُعتقل.
     على الطريق المؤدي إلى مدينة ديريك، ما زالت بعض الحقول النفطية تعمل لإمداد السوق المحلية، ولكن الحقول النفطية المخصصة للتصدير توقفت عن العمل. ويوجد بالقرب منها حاجز تفتيش تابع للجيش السوري. تمر سيارات المهربين والمقاتلين الأكراد بالقرب من هذا الحاجز، ولا يختبئون حقاً. ولكن هذه السيارات تتوقف أمام حواجز التفتيش التي تُسيطر عليها القوات الكردية، ويتم تفتيشها من قبل الشباب والشابات الأكراد الذين يرتدون كوفية بالعلم الكردي وقلادة عليها صورة عبد الله أوجلان.
     قالت ممثلة حزب الاتحاد الديموقراطي آسيا عبد الله: "ليست لدينا أية علاقة مع النظام ولا مع المعارضة. إن الإثنين لا يحترموننا. نحن نقوم بإنشاء إدارة موازية، وهذا سيُضعف السلطة وسيؤدي إلى تجنب الفوضى". تتزايد اللجان الثقافية النسوية في القامشلي بفضل مساعدات حزب الاتحاد الديموقراطي على الرغم من وجود النظام. وفي مدينة ديريك، تم إنشاء بعض المؤسسات (شرطة ومحاكم) على هامش مؤسسات النظام الذي أدت المعارك في بقية أنحاء سورية إلى إضعافه. كما قامت الشرطة الكردية في منتصف شهر تشرين الثاني بطرد آخر ممثلي النظام وهدّمت تمثال حافظ الأسد. كما دخل حزب الاتحاد الديموقراطي إلى مباني حزب البعث، وهذا يعني أنه يحافظ على علاقات وثيقة مع النظام ولاسيما في المجال الأمني.
     يُحاول الأكراد الواقعين بين نارين الإستعداد لما بعد بشار الأسد، وهم يعرفون بأنه لا أحد ينوي تسهيل هذه المهمة عليهم.