الصفحات

الاثنين، 14 كانون الثاني، 2013

(الارتياب الكبير لدول الجنوب)


صحيفة اللوموند بتاريخ 12/1/2013 بقلم ناتالي نوغايرد Natalie Nougayrède

     لم توافق بعض دول الجنوب مثل الهند وجنوب إفريقيا ونيجيريا والبرازيل وكولومبيا والغابون على المبادرة السويسرية بشأن سورية، وذلك على الرغم من أنها وافقت سابقاً على إحالة معمر القذافي أمام العدالة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1970. كيف يمكن تفسير هذا التراجع؟
     إن الكثير من الدول الصاعدة، وفي مقدمتها روسيا والبرازيل، مُقتنعة بأن الديموقراطيات الغربية تتلاعب بالمحكمة الجنائية الدولية. تقول هذه الدول أن إحالة الملف الليبي إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2011 أدى إلى التدخل العسكري في ليبيا (وقد انزعجوا من طريقة هذا التدخل). إن هذه الحجة فيها شيء من الخداع. أولاً، لا تنوي أية دولة غربية القيام بعمل عسكري في سورية. كما يجب فصل الإشكاليات عن بعضها البعض، لأن قرار مجلس الأمن رقم 1973 هو وحده الذي سمح بالحرب ضد ليبيا. كما يمكن التذكير أيضاً بأن قرار تحويل ملف السودان (دارفور) إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2005، لم يؤد إلى تدخل عسكري على الرغم من أن بعض الدول الغربية كانت تناقش آنذاك إمكانية فرض منطقة حظر جوي.
     إن ردة الفعل "السيادية" لدول الجنوب المذكورة أعلاه تُلقي بثقلها على هذا الملف، كما تريد هذه الدول إظهار إعادة توزيع القوى في العالم. ولكن الدول الغربية أخطأت أيضاً بسبب عدم انسجام مواقفهم تجاه دعم أو عدم دعم المحكمة الجنائية الدولية. تُمثل الولايات المتحدة حالة خاصة باعتبار أنها لم تنضم إلى أنظمة المحكمة الجنائية الدولية، ولكنها دعمتها في بعض الحالات المحددة وفق مصالحها. فيما يتعلق ببريطانيا التي انضمت إلى المحكمة الجنائية الدولية، فقد أساءت جداً إلى مصداقية مواقفها المبدئية في شهر تشرين الثاني 2012 عندما طلبت علناً من القادة الفلسطينيين التخلي عن أية إحالة للمحكمة الجنائية الدولية، إذا أرادت الحصول على تصويت بريطانيا في الأمم المتحدة بخصوص الاعتراف بفلسطين كدولة بصفة مراقب.
     أظهرت فرنسا أيضاً نزعة إلى المُوازنة بين موقفها الحازم المُفترض حول مكافحة الإفلات من العقاب وبين اعتبارات "الواقعية السياسية" البحتة. على سبيل المثال، لقد تساهلت فرنسا مع الدكتاتور السوداني عمر البشير من أجل الحصول على دعمه خلال الحرب على ليبيا عبر المساعدات التي قدمها إلى المتمردين، وذلك على الرغم من قيام المحكمة الجنائية الدولية بإصدار مذكرة اعتقال بحقه منذ عدة سنوات بتهمة ارتكاب "مجازر إبادة جماعية". إن الاتهامات التي توجهها دول الجنوب حول سياسة "الكيل بمكيالين" لم تكن دوماً عارية عن الصحة.