الصفحات

الثلاثاء، 8 كانون الثاني، 2013

(المؤيدون والمتمردون في مأزق عسكري)


صحيفة الليبراسيون 7/1/2013  بقلم جان بيير بيران Jean-Pierre Perrin

     لم يُغيّر قصف المدافع والطائرات شيئاً، فقد مضى عدة أسابيع على محاولات الجيش النظامي لطرد المتمردين من داريا التي تُمثل رهاناً إستراتيجياً للنظام. لأن المتمردين يستطيعون انطلاقاً من داريا إصابة القصر الجمهوري وثكنة الشبيحة الهامة في المنطقة العلوية بالمزة 86 بقذائف الهاون والصواريخ البدائية الصنع. يسود الوضع نفسه في بيت سحم القريبة من طريق المطار الدولي، وفي بعض القرى السنية الأخرى التي تشكل نصف دائرة في جنوب دمشق. إذاً، إن المتمردين قادرون على القيام بعمليات داخل دمشق انطلاقاً من مواقعهم الأمامية، حتى ولو كانوا غير قادرين على الاستيلاء عليها. وفي الأيام الأخيرة، يبدو أنها أصبحت في موقع دفاعي، وتتراجع على الأرض بسبب عدم حصولها على السلاح والذخيرة الضرورية لاحتواء الهجمات المضادة التي تقوم بها قوات الحرس الجمهوري.
     إذا كان عام 2012 لم يشهد سقوط نظام بشار الأسد، كما توقع أغلب السياسيين والدبلوماسيين. فقد كرّس عام 2012  بالمقابل تصاعد قوة التمرد في جميع أنحاء سورية. لقد كانت المعارضة يائسة قبل شهر تموز 2012 من انضمام حلب إلى التمرد، ولكن المتمردين استطاعوا التسلل إليها في بداية الصيف، ويُسيطرون اليوم على أكثر من نصفها، وأصبح الوضع العسكري فيها مضطرباً.
     تتسع المعركة إلى الشمال والشرق بالإضافة إلى جبهة دمشق،. ولكن لكي تستطيع المعارضة المسلحة فرض نفسها في هذه المناطق، فهي بحاجة أولاُ إلى الاستيلاء على المطارات العسكرية التي تمثل آخر دعامة للنظام. تقوم هذه القواعد الجوية بمهمتين: الأولى هي تموين المواقع المؤيدة والمحاصرة بالسلاح والبنزين والطعام. والثانية هي ترهيب السكان عبر إلقاء براميل النفط الحارقة على المستشفيات والمستوصفات والمخابز النادرة المفتوحة في المدن المجاورة لكي تمنع عودة الحياة الطبيعية إلى مجراها. يتعرض اليوم مطار تفتناز القريب من طريق دمشق ـ حلب إلى معارك عنيفة جداً. أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أن هذه القاعدة التي تضم الطائرات المروحية بشكل أساسي، محاصرة من قبل 800 متمرد، ومن ضمنهم إسلاميي جبهة النصرة.
     هناك قواعد آخرى محاصرة مثل القواعد الموجودة في دير الزور، أو في إعزاز بالقرب من الحدود التركية. في كل مرة تقع فيها إحدى هذه القواعد بأيدي المتمردين، يصبح وضع القوات النظامية في الشمال أكثر صعوبة. قال أحد الدبلوماسيين الغربيين السابقين في دمشق: "يعرف بشار الأسد من الآن فصاعداً أنه لن يستطيع استعادة السيطرة على الشمال، وأنه لم تعد لديه أية شرعية في هذه المنطقة. لهذا السبب، يعمل على قصف المراكز الحيوية لمنع ظهور أية إدارة منبثقة عن المتمردين. إنه يأمل بهذه الطريقة أن يشعر السكان باليأس وأن يتحسرون في النهاية على نظامه".
     على الرغم من ذلك، ينوي النظام الإمساك بالشمال لأطول فترة ممكنة من أجل كسب الوقت ومنع التمرد من تنظيم نفسه وتعزيز جبهة دمشق. ما زالت مسألة الأسلحة هي التي تمنع المتمردين من التقدم بسرعة أكبر، قال الباحث السياسي خطار أبو دياب، الأستاذ في جامعة باريس الجنوبية: "اشترطت الدول الغربية على  المعارضة أن تُوحّد نفسها وتتكلم بصوت واحد لكي تساعدها. قامت المعارضة بتشكيل الإئتلاف الوطني، ولكنها لم تتلق السلاح، ولاسيما الأسلحة الموعودة المضادة للطائرات".
     في الحقيقة، إن كل معسكر سجين نقاط ضعفه الخاصة. تعاني المعارضة المسلحة من نقص السلاح، ويعاني الجيش السوري من نقص جنود المشاة ـ هناك القليل من وحدات المشاة في الجيش السوري ـ بالنسبة للنظام. على الرغم من ذلك، لا يحضّ هذا المأزق المزدوج أياً من الطرفين على التفاوض. إذاً، ترتسم ملامح إستراتيجية بشار الأسد عبر مخطط للانسحاب يتخلى فيه عن الشمال والشرق إلى المتمردين لكي يحافظ على دمشق ومحيطها والمنطقة العلوية من طرطوس إلى اللاذقية، مع صلة وصل بينهما هي الممر الأرضي عبر العقدة الإستراتيجية في حمص. سيتابع الرئيس السوري كفاحه انطلاقاً من هذه الأراضي بمساعدة حلفائه، ولاسيما إيران التي لا يمكن أن تقبل بسقوط النظام السوري بأي شكل من الأشكال. أكد خطار أبو دياب قائلاً: "إذا فقدت طهران بشار الكبير، فسوف ترضى ببشار الصغير الذي سيوفر لها منفذاً على البحر المتوسط".
     ولكن هذه الإستراتيجية تمر أيضاً عبر تأجيج العنف الطائفي بين العلويين والسنة بشكل رئيسي. قال أحد المثقفين السوريين: "ليس من قبيل الصدفة تزايد عدد الفيديوهات على الأنترنت التي تبث صور الأعمال الوحشية مثل تقطيع أوصال سجينين اثنين من المتمردين ورجمهما بالحجارة. إذا نظرنا جيداً إلى هذه الأفلام، نلاحظ أنه لم يتم التقاطها بسرعة، بل تم إخراجها بعناية". كما أن بعض قادة النظام يعملون على إذكاء هذه الأحقاد، ولاسيما من خلال إسقاط الأساطير الدينية على الوضع الحالي. لقد قام بهجت سليمان، أحد المقربين من بشار الأسد وأحد أوائل الذين دعوا إلى "الإصلاح" في في بداية رئاسة بشار الأسد، بإدراج الحرب الحالية كاستمرار لمجزرة كربلاء المشهورة، عندما قام رجال الخليفة الأموي يزيد (السني) بتعذيب الإمام الحسين (المُبجل لدى الشيعة والعلويين)، وكتب بهجت سليمان: "إن الإمام الحسين يتجسد اليوم بالدولة الوطنية السورية ... ويتجسد يزيد بالمحور الصهيوني ـ الأمريكي وعملائه". إنه منطق الحرب الشاملة الذي يُعلن عن مجازر أخرى.