الصفحات

السبت، 5 كانون الثاني، 2013

(مقابلة مع وزير الخارجية الفرنسي السابق هوبير فيدرين Hubert Vedrine)


صحيفة الفيغارو 2/1/2013، أجرى المقابلة بيير روسلان Pierre Rousselin

     بدأت صحيفة الفيغارو سلسلة من المقابلات مع عدة مفكرين وكتاب وفلاسفة حول رهانات عام 2013، وهذه هي المقابلة الأولى مع هوبير فيدرين.
سؤال: قامت الولايات المتحدة بانتخاب باراك أوباما مرة أخرى، وبدأت الصين عملية انتقالية سياسية، ويبدو أن أوروبا تخرج من أزمة اليورو. هل سيشهد العالم متعدد الأقطاب التي تحدثتم عنه، مرحلة توطيد دعائمه في عام 2013؟
هوبير فيدرين: بعد عشرين عاماً من انهيار الاتحاد السوفييتي، لم يعد هناك "نظام عالمي" بطور التشكّل، ولكن هناك تنافس داخل الاقتصاد العالمي غير المُنظّم، ولم يتم إعادة تنظيم قوانينه بشكل كافي حتى الآن. يوجد حالياً خليط من عدة دول وشركات ومؤسسات مالية ومجموعات تُدافع عن مصالح متنوعة قانونية وغير قانونية. وهناك تحالفات مؤقتة حسب الظروف بين أقطاب حالية أو أقطاب سابقة، وسيستمر ذلك عام 2013.
سؤال: هل ستتغلب الولايات المتحدة على أزمة الديون؟ هل ستتغير المعطيات مع آفاق الاكتفاء الذاتي من الطاقة؟
هوبير فيدرين: من المحتمل التوصل إلى تسوية سياسية حول الديون. ولكن التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة هو القبول بأن زعامتها على العالم أصبحت نسبية، وأنها يجب أن تمارس نفوذها بشكل مختلف. إن نصف الأمريكيين يرفضون ذلك. لقد أدرك باراك أوباما هذا الأمر، وهو يبحث عن الطريق الواجب اتباعه. كانت خطاباته الأولى رائعة، ولكن ينقصه شخص قادر على تحويلها إلى واقع. إن الاكتفاء الذاتي من الطاقة سيساعد الولايات المتحدة، ولكنه لن يجعلها غير مبالية ببقية العالم وبالشرق الأوسط. لن تستطيع أية دولة أن تأخذ دورها الريادي، ولا حتى الصين.
سؤال: هل تصاعد التوتر في آسيا يمثل إشارة على أن الصين تريد إنشاء منطقة نفوذ خاصة بها في هذه المنطقة؟
هوبير فيدرين: كان دينغ زياوبينغ يريد أن تبقى الصين بمعزل عن مشاكل العالم حتى تكتسب القوة الكافية. ربما يعتقد القادة الحاليون أن هذا الوقت قد حان، ولاسيما في آسيا؟ ولكن هل لدى الصين مشروع عالمي شامل؟ لا أعتقد بذلك، وليس في الوقت الحالي على الأقل. ستُدافع الصين أكثر فأكثر وبحزم عن مصالحها في كل مكان، ولكن لا أرى أنها ستتدخل باسم "القيم الصينية العالمية".
سؤال: هل يجب أن نأمل بأن تصبح الصين ديموقراطية؟
هوبير فيدرين: بالتأكيد! بمقدار ما أرى عدم وجود مستقبل للتدخل الغربي، بمقدار اقتناعي بأنه في جميع الدول وحتى في الصين وروسيا، هناك تطلع داخلي متعاظم إلى دولة القانون، إذا لم يكن ذلك تطلعاً إلى الديموقراطية. على أي حال، لا يمكن انتظار تحقيق هذا الاحتمال، لكي يكون هناك سياسة تجاه الصين.
سؤال: فيما يتعلق بروسيا، هل يمكن أن يكون هناك سياسة واقعية بدون القلق على تراجع حقوق الإنسان؟
هوبير فيدرين: هناك تراجع وآمال خائبة. ولكن هنا أيضاً، لا يمكن انتظار تحقيق الديموقراطية لكي يكون هناك سياسة تجاه روسيا والدفاع عن مصالحنا الإستراتيجية.  تجد الدول الغربية دوماً صعوبة في تحقيق الانسجام بين أمرين: التعامل مع العالم الخارجي وتغييره أو تحويله. عندما تكون هذه الدول غارقة في إرادتها لنشر نموذجها ـ الدين في الماضي، والديموقراطية والتبادل الحر حالياً ـ ، فإنها لا تعرف التعامل مع العالم الخارجي عندما يكون مختلفاً جداً.
سؤال: في سورية، أرادت الدول الغربية التخلص من بشار الأسد دون الاهتمام بمن سيحل مكانه. أما الروس، فهم مهتمون جداً بما سيحصل بعد ذلك، لدرجة أنهم يدعمون النظام حتى النهاية. كيف يمكن المصالحة بين هاتين المقاربتين المتناقضتين؟
هوبير فيدرين: إن الخلاف عميق. كان يجب إدخال روسيا في هذا الرهان منذ البداية. اعتقدت الدول الغربية عندما بدأ التمرد السوري أن الأسد سيسقط بسهولة بعد سقوط بن علي ومبارك. ما زالت هناك مصلحة في إيجاد مقاربة مشتركة بين الأمريكيين والأوروبيين والروس والأتراك والدول العربية لإدارة المرحلة القادمة ....
سؤال: هل تصاعد قوة الإسلاميين يجبرنا على التعامل مع ورقة الإخوان المسلمين، أي الأقل رايكالية بين الإسلاميين؟
هوبير فيدرين: ليس لدينا الكثير من "الأوراق". تدفع الولايات المتحدة إلى الجيش المصري 1.3 مليار دولار سنوياً، ولكن نفوذها ضعيف جداً. من المفترض ألا يكون الانتصار الانتخابي للإسلاميين مفاجأة، وألا نشعر بالارتباك من الأحداث اللاحقة. إن الديموقراطية ليست تحولاً مباشراً، ولكنها تأتي نتيجة عملية طويلة. إذا نظرنا إلى ما هو أبعد من السلفيين أو حتى الجهاديين في جميع الدول العربية، هناك مواجهة بين المجتمع المدني والاحزاب السياسية، وفي بعض الحالات، يتدخل الجيش والنظام الملكي والقبائل، بالإضافة إلى الحضور القوي لحركة الإخوان المسلمين في كل مكان. من الممكن أن يؤدي امتحان السلطة إلى انقسام الإخوان المسلمين بين الواقعيين والأصوليين.
سؤال: هل ما زال السلام الإسرائيلي ـ العربي ممكناً؟
هوبير فيدرين: ارتكبت الدول الغربية خطأ إستراتيجياً كبيراً لأنها لم تفرض حلاً على أساس قومي قبل تفاقم النزاع وتحولّه إلى مواجهة دينية متطرفة. ما زال هذا الحل ضرورياً.
سؤال: ما هي الحصيلة التي تستخلصونها من الحرب في أفغانستان؟
هوبير فيدرين: إن إسقاط النظام الذي احتضن تنظيم القاعدة، كان شرعياً. من الممكن تبرير البقاء لمدة ثلاث أو أربع سنوات أخرى كحد أقصى لمساعدة الحكومة الجديدة على ضمان استقرارها. للأسف، كان البقاء أكثر من ذلك وهماً.
سؤال: هل هناك مستقبل للحلف الأطلسي بعد أفغانستان؟
هوبير فيدرين: هناك مستقبل كبير أمام معاهدة عام 1949، لأن الولايات المتحدة لن تتخلى عن حلفائها الأكثر قرباً، وسيكون من الجنون أن يتخلى الأوروبيون عن تحالف مع أكبر قوة عالمية، ويشمل هذا التحالف المادة الخامسة التي تفرض الدفاع المتبادل. ولكن يجب أن يتأقلم الحلف الأطلسي مع واقع التهديدات التي يجب مواجهتها، وبالتالي يجب تخفيض حجمه.
سؤال: ما هو دور فرنسا في الحلف الأطلسي؟
هوبير فيدرين: يمكن أن يكون دوراً أساسياً. هذا هو موضوع التقرير الذي طلبه مني فرانسوا هولاند. لقد حان الوقت لتجاوز الخلافات البالية حول أن نكون ضد أو مع الحلف الأطلسي، وذلك من أجل طرح الأسئلة المستقبلية. إن الأسباب التي بررت عودة فرنسا إلى القيادة الموحدة للحلف الأطلسي، ما زالت موضع نقاش. ولكن عودتها أصبحت واقعاً، وليس هناك أي سبب لكي تخرج فرنسا منه مرة أخرى. إن الظروف السائدة حالياً مختلفة كلياً عن الظروف التي بررت قرار الجنرال ديغول (بالخروج من الحلف  الأطلسي). يجب على فرنسا أن تعتبر الحلف الأطلسي حلفها، وتُحدد عقيدتها وإستراتيجيتها: الدفاع أم الردع؟
سؤال: هل تعتقدون بمستقبل الدفاع الأوروبي؟
هوبير فيدرين: لم ينجح أي شيء تقريباً منذ 25 عاماً. إذاً، لنضع الشراكة الأوروبية أمام مسؤولياتها، مستفيدة من استعداد الولايات المتحدة بعد انتخاب أوباما مرة ثانية. ستكون الولايات المتحدة راضية إذا بذل الأوروبيون جهوداً أكبر. يفترض ذلك أن يخرج الأوروبيون من سباتهم الإستراتيجي، ويتحمّلوا مسؤولية كونهم قوة عالمية.
سؤال: كيف يمكن إيقاظ الرأي العام؟
هوبير فيدرين: يجب تحذيرهم دون بث الرعب فيهم، والحديث معهم بصراحة، وإفهامهم أنه إذا أردنا الحفاظ على تحكمنا بمصيرنا، يجب أن نصبح قوة. لأنه إذا لم نفعل ذلك، سيكون مصيرنا مرتبطاً بقرارات يتخذها الصينيون والأمريكيون وبقية الدول الصاعدة أو بقرارات الأسواق الدولية. لسنا بحاجة إلى دمج الشعوب من أجل القيام بذلك، كما يقول أنصار النسخة الأصولية للفيدرالية، بل إلى اتفاق إستراتيجي بين الأمم الأوروبية حول أسلوب الدفاع عن مصالحها في المنافسة الدولية بشكل يُصالح بين النُخب التي تريد "المزيد من أوروبا الواحدة" وبين الشعوب التي أصبحت تنفر كثيراً من أوروبا.
سؤال: تتمتع أنجيلا ميركل بالشعبية لأنها أظهرت نفسها أوروبية ودافعت عن مصالح بلدها في الوقت نفسه. لماذا لا يستطيع القادة الفرنسيون القيام بالشيء نفسه؟
هوبير فيدرين: استطاعت أنجيلا ميركل إقناع الألمان بأن المزيد من أوروبا يعني المزيد من السيطرة  الألمانية على أوروبا. ولكن عندنا (وفي دول أخرى)، إن المزيد من أوروبا يُنظر إليه الآن على العكس بأنه اغتصاب لحقوقهم، ويتم تعويضه بشكل وهمي.
سؤال: لا يمكننا تبني مثل هذا الخطاب دون أن نكون في موقف قوي مثل أنجيلا ميركل؟
هوبير فيدرين: هذا أكثر صعوبة! عندما لا تعرف نُخبنا إلا تكرار مقولة المزيد من الاندماج و"قفزة فيدرالية" و ... الخ، فإنها تزيد الهوّة التي تفصلها عن الرأي العام. إذا كان الفرنسيون لا يعتقدون بفضائل التخلي عن سيادتهم، فذلك لأنهم يرون أن هذه السيادة قد استولت عليها الأسواق التي لا يمكن السيطرة عليها. لقد بدأ فرانسوا هولاند بإعادة التوازن مع ألمانيا، وهذا أمر ضروري.
سؤال: أدت الأزمة إلى قيام أوروبا بتنظيم نفسها. ما هو رأيكم بالنتائج التي تم التوصل إليها في منطقة اليورو؟
هوبير فيدرين: تعيش منطقة اليورو مخاضاً مؤلماً من أجل إقامة حكومة اقتصادية غير موجودة. إنه نبأ سار. سأضيف فقط أن هذه الحكومة الاقتصادية يجب ألا تقتصر على ألمانيا، لأنه سيكون أمراً خطير جداً على ألمانيا نفسها. يجب ألا تكون هذه الحكومة فقط نظاماً صارماً للرقابة على التعهدات القاسية للدول الأعضاء، ويجب أن تتعامل مع الحياة الاقتصادية الحقيقية، أي النمو والعملة وسعر الصرف. النقطة الأخيرة: يجب أن تبقى هذه الحكومة الاقتصادية ديموقراطية، أي أن تُحافظ على العلاقة مع الشعوب. إنه السؤال المتعلق بمن سيُقرر في النهاية، وماذا سيُقرر.
سؤال: هل يكفي ذلك لضمان مستقبل أوروبا؟
هوبير فيدرين: إن كل نقطة من النقاط الثلاث التي ذكرتها قبل قليل، تحتاج إلى جهود كبيرة لتنفيذها. لا بد من عدة سنوات من أجل الإقناع، كما حصل مع العملة الأوروبية على سبيل المثال. انظروا إلى الإدارة السياسية لليورو. وإلى أوروبا والعالم، لنكن أقل توهماً. أنا أقول منذ فترة طويلة بأنه يجب على أوروبا الحذر من أن تصبح "الغبي في القرية العالمية".
سؤال: كنتم تتحدثون عام 2000 عن فرنسا كـ "قوة نفوذ عالمي". هل أصبحت فرنسا بعد مضي ثلاثة عشر عاماً على وشك فقدان مرتبتها؟
هوبير فيدرين: ما زلنا بلداً ذو "نفوذ دولي" من خلال وجودنا في مجلس الأمن وقوة الردع النووية وقدرتنا على نشر قوات عسكرية وإشعاع الثقافة الفرنسية وتراثنا الدبلوماسي وبورصة باريس وجاذبية الأراضي الفرنسية وإلخ. على الرغم من ذلك، نعاني من مشكلة خطيرة في التنافسية التي لا تتعلق بأمور جيوسياسية بشكل مباشر، ولكنها يمكن أن تؤدي على المدى الطويل إلى إلحاق الضرر بموقعنا في العالم. لا يمكنني إلا أن أقول: "يعيش تقرير غالوا". (تقرير صدر في شهر كانون الأول 2012 حول تنافسية الاقتصاد الفرنسي)