الصفحات

الخميس، 31 كانون الثاني، 2013

(سورية، نحو مأساة إنسانية لا سابق لها)


صحيفة اللوموند 31/1/2013  بقلم مراسلها الخاص في قرية عتمة بشمال سورية لويس روت Lewis Roth

     دخلت سيارة بيك آب بعد غروب الشمس إلى مخيم الكرامة في قرية عتمة على الحدود التركية. نزل منها رجل، وبدأ بتوزيع جوارب على حشد صغير أمامه، في حين كان رجل آخر يقوم بتصوير المشهد مسروراً. فجأة، لم يعد هناك شيء لتوزيعه، الأمر الذي أثار غضب الأطفال الذين هجموا بشكل جماعي لكي يأخذوا ما يمكن أخذه، ودفعوا بقوة كل ما يعترض طريقهم، وتخاصموا على اقتسام ما تبقى بقسوة. قال أحد هذين الرجلين واسمه مصطفى الكردي: "نحن نمثل جمعية سورية صغيرة بالقرب من مدينة هانوفر الألمانية، اسمها: قاسيون. جئنا لتوزيع ثمرة التبرعات على إخواننا الذين فقدوا كل شيء بسبب الحرب". مخيم الكرامة في قرية عتمة هو أصغر وأحدث مخيمات اللاجئين الثلاثة التي انتشرت في هذه القرية منذ فصل الخريف. ولكن عدد اللاجئين يزداد فيه بسرعة، فقد وصل إليه أكثر من ألف شخص في الأسبوعين الماضيين، جاؤوا بشكل خاص من منطقة حماة التي ما زالت فريسة معارك عنيفة حول القواعد العسكرية في وادي ضيف وأبو الضهور.
     قرية عتمة (6000 نسمة قبل الحرب) هي الملجأ الأكثر أماناً في شمال سورية: إنه نعمة ونقمة في آن معاً. إنها قريبة جداً من الحدود التركية لدرجة تمنع المدفعية السورية من قصفها، فلم تتعرض هذه القرية خلال السنتين الماضيتين إلا لغارة جوية واحدة في شهر كانون الأول الماضي، ويُقال أن هذه الغارة حصلت على الضوء الأخضر من تركيا التي أرادت حينها تذكير التمرد السوري بفضل أنقرة عليه. تُمثل هذه القرية أيضاً المدخل الرئيسي مع تركيا: يقع مركز باب الهوى الحدودي بالقرب منها. ولكن تركيا أغلقت حدودها بوجه اللاجئين منذ نهاية شهر آب، أي بعد شهر واحد من بداية معركة حلب. أصبحت قرية عتمة مقراً لثلاثة مخيمات للاجئين بعد إغلاق الحدود التركية، ووصل عدد اللاجئين فيها إلى 17000 لاجئاً. بهذه الوتيرة، سيصل عدد اللاجئين فيها إلى خمسين ألفاً في الصيف القادم.
     يضم المخيم الأول الذي لا اسم له عشرة آلاف لاجىء، ويوجد فيه مطعماً ومركزاً صحياً يعمل فيه خمسة أطباء، ويستقبل 300 مريضاً يومياً. الأطفال هم أول المتضررين ببرد الشتاء بسبب الأمراض التنفسية وظروف الحياة البائسة. اندلع حريق بتاريخ 31 كانون الأول في إحدى الخيم، وأدى إلى مقتل سبعة أطفال وأمهم. بعد هذه الحادثة، جاءت منظمة غربية كبيرة غير حكومية لتوزيع مدافىء تعمل على النفط، ولكنها لاحظت باستغراب عدم وجود سجلات للنازحين حتى ذلك اليوم. قالت إحدى العاملات الغربيات في هذه المنظمة دون الكشف عن اسمها ولا عن اسم هذه المنظمة خوفاً من انتقام دمشق: "كان يجب إحصاء الجميع، وتسجيل هوياتهم وتاريخ وصولهم وعدد الأشخاص في كل خيمة، وتخصيص كل شخص برقم". ربما يتم توزيع هذه الشوفاجات في شهر شباط، أي في نهاية فصل الشتاء.
     تجري جميع الأمور على هذا المنوال. تتدفق المساعدات ضمن فوضى كاملة. لا أحد يعرف ماذا تعطي كل جمعية ولمن، ولا الكمية المعطاة. هذا هو السبب الذي يدفع بالنازحين للاعتقاد بأن المساعدة الموجهة إليهم، يتم اختلاسها. هذا ما يحصل أحياناً، ولكن ليس بشكل دائم. إن سبب الغياب الكامل للشفافية هو الوضع الخاص بالأراضي المحررة من قبل التمرد. تتواجد وكالات الأمم المتحدة على الجانب الآخر من الحدود، ولكنها لا تتدخل لأن دمشق تُعارض تدخلها وتمنع دخولها: إن انتهاك سيادة النظام، يمكن أن يؤدي إلى طرد الأمم المتحدة من سورية، وبالتالي حرمان السكان في المناطق الحكومية من المساعدة.
     فيما يتعلق بالمنظمات العربية غير الحكومية، سواء الإسلامية أو الغربية، فإنها تعمل غالباً تحت أسماء مستعارة وبسرية تامة، لكي تأمل بالحصول على موافقة دمشق. قالت إحدى العاملات في المجال الإنساني: "لا أحد يتكلم مع الآخر، كل طرف يعمل لوحده. إنها الفوضى". قامت الإمارات بمنح خيام، ولكن ظهر فيما بعد أنها خيام صالحة خلال فصل الصيف. يصل الطعام أحياناً بكميات كبيرة، الأمر الذي يطرح مشاكل تخزينه، وأحياناً مشاكل إيصاله.
     وراء الأبواب المغلقة لهذه المخيمات، تدفع البطالة والحاجة بالناس إلى الغضب وإطلاق الشائعات وإظهار الأحقاد. لقد تمت إحالة مدير أحد المخيمات الصغيرة أمام محكمة إسلامية بتهمة اختلاس المساعدات، الأمر الذي دفعه للاستقالة لإظهار استيائه من نكران الجميل. ولكن المحكمة رفضت استقالته، وأمرته باستئناف عمله مجاناً. تُثير مسألة السلطة الكثير من التوترات. لهذا السبب، تم تقسيم مخيم عتمة إلى 42 قسماً بشكل يتلاءم مع المسؤولين الذين قام النازحون بتعيينهم وفق الانتماءات الجغرافية أو العشائرية بشكل عام. عندما يشعر النازحون بعدم الرضى من رئيس قسمهم، يقومون بتغيير قسمهم دون تغيير مكان إقامتهم داخل المخيم.
     تتحول مختلف المخيمات يوماً بعد يوم إلى قاعدة خلفية للجيش السوري الحر، وقام المتمردون بوضع عائلاتهم في هذه المخيمات، وذلك على الرغم من الأخطار الناجمة عن وجود الأسلحة والمتمردين في هذه المخيمات وإمكانية قيام التمرد باختلاس المساعدات. لقد تم تغيير الإدارة في قرية عتمة حوالي ست مرات، ويتحلى مديرها الحالي زياد عرور بصبر لا ينتهي. قام هذا المدير بمنع دخول إحدى المنظمات الخيرية غير الحكومية لالتقاط الصور داخل المخيم، وقال: "إنهم يقومون بجولة قصيرة، ويلتقطون بعض الصور لنشرها على موقعهم الإلكتروني، ويحصلون على الأموال من أجل برامج لا ترى النور، ثم لا نسمع عنهم شيئاً. كما لو أن العالم بأسره قد تخلى عنا باستثناء الليبيين الذين كانوا هنا منذ البداية".
     إن مسألة السيطرة على المخيمات شائكة جداً. من المفترض أن تقوم مؤسسة (مرام ـ Maram) بإدارة مخيمين في عتمة. إنها منظمة غير حكومية تابعة للسوريين المقيمين في الولايات المتحدة بإدارة يقظان الشيشكلي، وهو شقيق أديب الشيشكلي أحد الأعضاء الهامين في الإئتلاف الوطني السوري، والإثنان هما من أحفاد الضابط أديب الشيشكلي الذي كان رئيساً لسورية بين عامي 1953 و1954. اشتكى أحد النازحين قائلاً: "لا يأتي أعضاء مؤسسة مرام إلى المخيمات إطلاقاً. إنهم يرسلون الأموال والمساعدات من وقت لآخر. إنهم لا يهتمون بمصير النازحين، ويريدون النفوذ والسلطة".
     كما هو الحال في كل مكان في سورية، تحتج القاعدة بعنف على أية سلطة أو أوامر قادمة من الأعلى. إن مؤسسة مرام تُجسّد المغتربين الذين يُشتبه بأنهم يريدون قطف ثمار ثورة الشعب. ويقف وراء هذه المؤسسة الإئتلاف الوطني السوري الذي يتعرض لانتقادات كبيرة من قبل ثوار الداخل الذين يلومونه بأنه لم يعرف كيف يُوصل الأسلحة والمساعدات الإنسانية من أجل دعم المناطق المتمردة.
      يعمل القسم الإنساني في الإئتلاف الوطني السوري (Aide Coordination Unit) بالتنسيق مع مؤسسة مرام، ويترأس هذا القسم سهير أتاسي، إحدى نواب رئيس الإئتلاف. يحاول هذا القسم الإنساني تنسيق المساعدات قدر المستطاع تنفيذاً لتوجيهات الممولين، ولكن الأطراف المحلية تُقاوم بشدة ما تعتبره وتعيشه كهيمنة. يُقيم هذا القسم الإنساني في أنطاكية، ويُمثله في هذه المدينة سارا سيف (20 عاماً)، حفيدة رياض سيف. إنها ليست متمرسة بالعمل الإنساني، وتكتشف يومياً صعوبات هذا العمل الذين يتجسد بالإرادة في مساعدة الآخرين. لقد حصلت مؤخراً على أرض من أجل تخفيف الازدحام في مخيم الكرامة، ولكن مديري المخيم استولوا على هذه الأرض بدعم من بعض العائلات المتحدرة من منطقة حماة. لم يسقط النظام حتى الآن، ولكن النزاع بدأ بالظهور للسيطرة على الدمار الذي تركه وراءه.