الصفحات

الخميس، 3 كانون الثاني، 2013

(هؤلاء السلفيون الذين يتغلغلون داخل المقاومة)


مجلة النوفيل أوبسرفاتور الأسبوعية 3/1/2013  بقلم مراسلتها الخاصة في الأردن سارا دانييل Sara Daniel

     يصل إلى مخيم الزعتري في الأردن 1500 لاجىء سوري يومياً ، ومنهم  الخبّاز (أحمد) وعائلته من قرية تسيل في منطقة درعا. لقد هربت هذه العائلة من رائحة الجثث المرمية في الشوارع، إنها جثث المساكين الذين كانوا ينتظرون دورهم لشراء الخبز. قال (أحمد) مُتنهداً: "كانت القرية تتعرض سابقاً إلى ثمانية قذائف يومياً. ولكن عندما دخل الجيش الحر إلى مركز قرية تسيل قبل عدة أيام، أصبحت القوات الحكومية تُطلق حوالي ثمانين قذيفة يومياً. لولا الجيش الحر ومقاتلي جبهة النصرة الذين يُسيطرون على منطقة درعا، لما وصلنا إلى هنا أبداً".
     إن موكب سيارات الإسعاف المليئة بالجرحى السوريين، لا يتوقف داخل مدينة الرمثا الأردنية التي لا تبعد إلا ثلاثة كيلومترات عن درعا. أكد (فؤاد)، أحد هؤلاء الجرحى، بأنه سيعود للقتال حالما يتعافى، لكي ينضم إلى عشرات الشباب الذين يغادرون يومياً بالحافلات إلى الحدود السورية للمشاركة في الحرب. كما أكد أنه يريد الانضمام إلى جبهة النصرة، لأنه يعتبرها المجموعة المتمردة الوحيدة التي تملك أسلحة  ثقيلة.
     من هم مقاتلي جبهة النصرة؟ لا نعرف إلا أشياء قليلة عن هذه الميليشيا السلفية. لقد تبنت مسؤولية أكثر من 600 عملية تفجير خلال عام واحد، وأدت هذه العمليات إلى مقتل الكثير من السوريين العسكريين والمدنيين. على الصعيد الميداني، إنهم المتمردون الوحيدون الذين يتجنبون الصحفيين بشكل دائم، ويقومون بأنفسهم بنشر صور أعمالهم على الأنترنت.
     يعتبر جزء من المعارضة السورية أن جنود جبهة النصرة هم الأكثر تنظيماً داخل المقاومة المسلحة ضد نظام بشار الأسد. إنهم يُسيطرون شيئاً فشيئاً على بقية المجموعات، لأنهم الأكثر تصميماً والأفضل تسليحاً ويحصلون على تمويل المؤسسات الخيرية الغنية ولاسيما المؤسسات السعودية. أكد رئيس إحدى الميليشيات الكردية قائلاً: "على الصعيد الميداني، حتى المقاومون العلمانيون يتطلعون إلى الانضمام لجبهة النصرة بسبب الأموال والأسلحة الموجودة بحوزتهم". كما يعتبرهم بعض المعارضين بأنهم مثل "القوات الخاصة في حلب"، إن تنظيم هؤلاء المقاتلين وخبرتهم كانت حاسمة جداً خلال الهجوم على حلب في الصيف الماضي.
     قامت الولايات المتحدة بوضع جبهة النصرة على قائمة "المنظمات الإرهابية الدولية"، وتعتبرها مؤلفة من متطرفين خطيرين، وأنها تشوه سمعة المقاومة المسلحة السورية، وأنها تثير الخوف من مرحلة ما بعد بشار. تؤكد بعض الحركات داخل المعارضة السورية أن تطرف جبهة النصرة يدعم خطاب السلطة، واتهمت جبهة النصرة بأنها صنيعة الأجهزة السرية السورية التي لا تتوانى أبداً عن القيام بالألاعيب كما حصل في لبنان مع مجموعة فتح الإسلام. ألم يُفرج نظام دمشق بشكل غريب عن العديد من الجهاديين في بداية التمرد؟ على الرغم من ذلك، يتفق الجميع على أنه في هذه الحالة، لقد أفلتت الصنيعة من يد صانعها، وأنها وجهت له ضربات موجعة.
     أكد لنا زعيم الجهاديين السلفيين في الأردن في لقاء داخل أحد الفنادق الكبرى في العاصمة الأردنية، أنه شارك في تأسيس جبهة النصرة، وقال: "هل شاهدتم عملية التفجير الانتحارية الناجحة التي قمنا بها مؤخراً في دمشق؟ إنها بفضل  انتحاريينا، لدينا قائمة هامة من الانجازات!". كان محمد الشلبي المعروف باسم (أبو سياف) يقوم بالجهاد ضد الأمريكيين إلى جانب رئيس تنظيم القاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي، ثم أصبح مقاتلاً في سورية. كما تم اتهام مجموعته باغتيال الناشط الأمريكي الإنساني لورانس فولي Laurence Foley في عمّان عام 2002. لقد خرج من السجن العام الماضي بعد أن أمضى عدة سنوات فيه بسبب التخطيط لهجمات على قواعد الجيش الأردني التي يتواجد فيها مستشارون أمريكيون.
     يتنقل أبو سياف في جميع أنحاء الأردن من أجل حشد المقاتلين وإرسالهم في مدينة درعا السورية، وقال لنا أثناء لقاء في مقهى فندق الشيراتون: "لاختصار الأمور، سأقول لكم أن إيديولوجيتنا هي إيديولوجية تنظيم القاعدة. لقد نقلنا معركتنا من العراق إلى سورية، ونحن على وشك الهيمنة على بقية مجموعات المقاتلين الأخرى". وقد أكد وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري هذه المعلومة لاحقاً، وتقول هذه المعلومة: "أن الحركة التي كانت تقود الجهاديين من سورية إلى العراق، قد انعكست اليوم".
     إذا صدّقنا ما يقوله (أبو سياف)، هناك أردنيان إثنان يقودان جبهة النصرة في منطقة درعا، هما: أبو جلبي الأردني وزرقاوي آخر هو أبو أنس، قريب الزرقاوي الذي قتله الأمريكيون في العراق عام 2006. أشار (أبو سياف) إلى أن كل خلية في جبهة النصرة تتضمن زعيم عسكري وآخر "روحي" ، وأن الثاني هو الذي يُحدد فيما إذا كان نهب أحد المنازل أو مصادرة الممتلكات أو تعذيب المتعاونين مع نظام بشار هو أمر أخلاقي أم لا، وهو الذي يقوم بإحقاق العدالة، وقال: "إن سمعتنا جيدة، والشعب يقبلنا بشكل جيد جداً".
     بعكس ما حصل في العراق عندما ارتكب تنظيم القاعدة أفظع عمليات الترهيب ضد المدنيين، يبدو أن المقاتلين السلفيين في سورية، قاموا بالتقليل من هجماتهم الطائفية والدينية. لقد سمح لهم ذلك حتى الآن بعدم التعرّض لنفس المصير الذي  تعرضت له الحركة الجهادية في العراق بين عامي 2004 و2008. أكد (أبو سياف) أن هدف مقاتلي جبهة النصرة هو إقامة إمارة إسلامية في بلاد الشام. وفي سؤال حول كيف ستتم معاملة المسيحيين عندها؟ أجاب (أبو سياف) قائلاً: "سيكون لهم وضع خاص، لم يكن المسيحيون في أمان مثلما كانوا أثناء الخلافة الإسلامية". وفيما يتعلق بالعلويين، قال: "لن نقتلهم، ولكن يجب عليهم تغيير دينهم!". أشار (أبو سياف) إلى أن أبو محمد الجولاني، الزعيم العسكري لجبهة النصرة في سورية، هو سوري، وأن العديد من المرشدين الروحيين حوله هم من الأردنيين ذوي الأصول الفلسطينية، مثل صديقه الشيخ أبو محمد المقدسي المسجون في الأردن. كان أبو  محمد المقدسي معلماً للزرقاوي، وابتعد عنه عندما دعا الزرقاوي إلى قتل جميع الشيعة العراقيين.
     ذهبنا إلى مخيم الوحدات الفلسطيني للالتقاء مع الزعيم الروحي الآخر لجبهة النصرة، وهو أبو محمد العطاوي الذي قام بالتدريس لفترة طويلة في السعودية، ثم عاد إلى الأردن. أكد أبو محمد العطاوي أن جبهة النصرة تضم ثمانية آلاف رجل، وأن عددهم يزداد باستمرار. ولم يتردد بالتنبؤ أن الانتصار ليس إلا مسألة عدة أشهر، وأن الانتصار لن يتوقف في سورية، وقال: "الربيع العربي سيُساعدنا نحن السلفيين في غزو العالم. بدأنا في تونس ثم مصر وليبيا، وبعدها سورية، وقريباً الأردن. سنستمر في معركتنا ضد إسرائيل والأمريكيين. هذا هو اتجاه التاريخ، ولا يمكن العودة إلى الوراء. فيما يتعلق بالاتهامات التي يوجهها المجتمع الدولي إلى جبهة النصرة، قال الشيخ العطاوي مؤكداً: "إنها نكتة. كما لو أننا كنا بحاجة إلى دعم الأمريكيين الذين لا يُعطوننا السلاح ويقفون مكتوفي الأيدي أمام تدمير سورية!". هل يجب أن نضحك من هذه التأكيدات المبالغ بها؟ لا، لأننا غير متأكدين إطلاقاً من أن الأمريكيين قد حققوا هدفهم عندما صنفوا جبهة النصرة منظمة إرهابية.
     من الممكن أن يحاول السوريون إظهار إعجابهم بهذه المنظمة التي يريد الأمريكيون إقصاءها ولكنها أظهرت جدارتها في الدفاع عنهم على الأرض، وذلك لأن السوريين يشعرون بالخيبة من الغرب الذي يشعرون دوماً بالريبة تجاهه، والذي تركهم وحيدين بين القمع الوحشي لنظام بشار الأسد وبين معارضة خارجية عاجزة ومشتتة. إن توجيه الاتهام إلى جبهة النصرة، سيعتبره بعض السوريين خيانة أخرى. وستكون الولايات المتحدة قد عززت القوى الأصولية في سورية بدلاً من إضعافها.