الصفحات

السبت، 23 آذار، 2013

(سورية: لماذا لا يجب التخلّي عن الحل السياسي)


صحيفة الفيغارو 22 آذار 2013 بقلم ديدييه بيليون Didier Billion، الباحث في معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية IRIS

     مضى عامان تقريباً على بداية حركة الاحتجاج في سورية. الحصيلة مُرعبة: سبعون ألف قتيل ومليون لاجىء والبلد في طريقه إلى التفتت. لم ينجح أي طرف في فرض نفسه عسكرياً، ولا تبدو في الأفق ملامح حل سياسي. لقد أظهر المجتمع الدولي عجزه تجاه الملف السوري. ضمن هذا السياق، أكد القادة الفرنسيون والبريطانيون في الأيام الأخيرة على إرادتهم برفع الحظر الأوروبي وإرسال الأسلحة إلى المتمردين على الرغم من عدم تأييد بقية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. كيف ننظر إلى هذه التصريحات؟ لكي نحاول تقييمها بشكل أفضل، يبدو من الضروري وضعها ضمن سياقها ومحاولة الإلمام باللحظة الحالية وتصور المستقبل القريب.
     ترتسم ملامح ثلاثة سيناريوهات: في الأول، لن تتغير موازين القوى الحالية بشكل حقيقي، وستميل السلطة الحالية مع مرور الوقت إلى الانطواء على المناطق الجبلية والساحلية في شمال غرب البلد، أي في المناطق العلوية التقليدية. يتمثل الخطر ضمن هذه الفرضية في تزايد حدة انقسام البلد حسب خطوط الانقسام العرقية والطائفية. السيناريو الثاني هو السقوط المفاجىء للنظام بشكل يتسبب بفوضى عامة مع احتمال تزايد العنف وتصفية الحسابات والحرب بين الجميع ضد الجميع. ستصبح سورية عندها دولة منهارة وعُرضة للمطامع الخارجية، وربما تُهدد استقرار المحيط الجيوسياسي بأكمله. السيناريو الثالث هو التوصل إلى حل سياسي يفتح المجال أمام إمكانية عملية انتقالية مُنظمة وتحت السيطرة. لا أحد يشك بأنه السيناريو الأكثر تعقيداً، ولكنه أيضاً السيناريو الذي يجب العمل به، ولاسيما مع  القوى المؤثرة على الوضع في سورية.
     إذا نظرنا إلى ما هو أبعد من الوضع المُرعب على الأرض الذي لا يبعث على التفاؤل، نحن لا ننطلق من لا شيء وهناك ملامح أولية للحل. من الخطأ القول أن البدائل تتركز فقط في قرار إرسال الأسلحة إلى المتمردين أو البقاء مكتوفي الأيدي، كما يكرر دوماً أغلب المُعلقين بخصوص التصريحات الفرنسية والبريطانية الأخيرة. إن الخيار الحقيقي المتوفر هو إرسال الأسلحة أو بذل كل الجهود لتسهيل شروط التوصل إلى الحل السياسي.
     لنتذكر أنه بتاريخ 30 حزيران 2012، وافقت الدول الأعضاء الدائمة بمجلس الأمن على اتفاق في جنيف تحت رعاية كوفي عنان، وكان هذا الاتفاق ينص بوضوح على تشكيل حكومة وحدة وطنية تشمل أعضاء من الحكومة والمعارضة. ترك الاتفاق مصير بشار الأسد مُعلقاً، وقد سمح هذا الغموض لجميع الأطراف المعارضة لحل تفاوضي، ولاسيما السعودية وقطر، بإفشال الاتفاق الذي لم يتحول إلى واقع ملموس. ولكن بالنسبة لروسيا والصين، إن المحور السياسي الموجود في اتفاق جنيف هو الوحيد  الذي يُشكل حلاً مقبولاً. وهذا لا يعني دعماً غير مشروط إلى بشار الأسد. لقد أشار فلاديمير ميدفيديف في شهر كانون الثاني الماضي إلى أن بشار الأسد تأخر كثيراً في تنفيذ الإصلاحات السياسية الضرورية، وفي دعوة ممثلي المعارضة السياسية المستعدين للجلوس على طاولة المفاوضات. اعتبر ديمتري ميدفيديف في التصريح نفسه أن هذا الخطأ يمكن أن يكون قاتلاً بالنسبة للرئيس السوري الذي تتضاءل فرص بقائه في السلطة يوماً بعد يوم، ولكنه أكد بأن الشعب السوري وحده هو المؤهل لتحديد مصيره.
     بعكس كل ما تم تأكيده مراراً، يبدو أن روسيا ما زالت دولة محورية في حل الأزمة السورية، وهي ليست في منطق الدعم الأعمى لنظام دمشق، واهتمامها الأساسي هو تجنب سقوط هذا النظام دفعة واحدة. إن أكثر ما يخشاه القادة الروس هو وصول الجهاديين والمتمردين الأكثر تطرفاً إلى السلطة وزعزعة استقرار المنطقة بأسرها. بالمقابل، إذا كان الحل السياسي التفاوضي ممكناً بدون بشار الأسد، ويتطابق مع المصالح الروسية، فإن موسكو لن تتردد في التخلي عن الرئيس السوري. ولهذا السبب، يبدو لنا أنه من الملائم محاولة إعداد حل سياسي مع موسكو بشتى الوسائل بدلاً من التهديد بتوزيع الأسلحة على المتمردين. إنه خطأ أكثر خطورة إذا كنا نعرف تماماً بأنه سيكون من المستحيل مراقبة إلى أية جهة ستصل هذه الأسلحة في النهاية. من الواضح أن تجربة توزيع الأسلحة في ليبيا بدون مراقبة لم تكن كافية، على الرغم من أننا نشاهد بألم آثارها على منطقة الصحراء الإفريقية.
     ضمن هذا السياق أيضاً، يجب تقويم اقتراح رئيس الإئتلاف الوطني السوري معاذ الخطيب بتاريخ 30 كانون الثاني 2013 عندما قال بأنه مستعد للتفاوض مع ممثلين عن النظام لم تتلوث أيديهم بالدماء بشرط الإفراج عن 160 ألف معتقل والإعداد لرحيل الرئيس السوري. بالتأكيد، لم يتلق هذا الاقتراح رداً إيجابياً من السلطة، ولكن مجرد وجوده يحمل بعض الاحتمالات المستقبلية، ويُشير إلى وجود تيارات سياسية متنوعة داخل الإئتلاف. يعني ذلك أخيراً أنه يجب أن يتوقف التجاهل الممنهج لما يُطلق عليه معارضة الداخل، ولاسيما هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديموقراطي التي تُعارض عسكرة التمرد وأي تدخل خارجي، وتؤيد التفاوض.
     نرى أنه على الرغم من الصعوبة البالغة للتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية، هناك مسارات سيكون من التهور عدم محاولة دفعها إلى النهاية. إن جهود المسؤولين السياسيين والدبلوماسيين ستكون أكثر فائدة في محاولة صياغة وتنفيذ توجّه سياسي للخروج من الأزمة بدلاً من المخاطرة بزيادة مستوى العنف العسكري وإشعال المنطقة من خلال توزيع الأسلحة على المتمردين. في الوقت الذي يُقاتل فيه الجنود الفرنسيون الجهاديين في مالي مخاطرين بحياتهم، فإن التناقض الأكبر هو توزيع الأسلحة على إخوانهم الإديولوجيين في سورية.