الصفحات

الأربعاء، 27 آذار، 2013

(الدول الصاعدة يجب أن تدعم تقديم مساعدة إنسانية أكبر في سورية)


صحيفة اللوموند 27 آذار 2013 بقلم سلمان الشيخ Salman Shaikh، مدير مركز بروكنغز في الدوحة وعضو مركز Saban لسياسة الشرق الأوسط

     تستمر المأساة الإنسانية في سورية، وربما تكون الأزمة الأكثر جدية في العالم حالياً. على الرغم من ذلك، لم يتوصل المجتمع الدولي إلى إيجاد الحلول. ما زال الجواب الإنساني على الوضع الصعب الذي يعيشه المدنيون غير ملائم إطلاقاً حتى الآن، في الوقت الذي يحتاج فيه أربعة ملايين سوري، منهم ثلاثة ملايين نازح في الداخل، إلى المساعدة الإنسانية. أشار تقرير لليونيسيف مؤخراً إلى نتائج النزاع في سورية على الأطفال: هناك مليونا طفل جريح أو يتيم أو يعاني من سوء التغذية. تعرض جيل بأكمله إلى صدمة نفسية للأبد، ولجأ أكثر من مليون سوري إلى تركيا ولبنان والأردن ودول أخرى. سيصل هذا العدد بالتأكيد إلى ثلاثة ملايين في نهاية عام 2013، إنها قنبلة موقوتة بالنسبة للدول المجاورة والتوازن الاجتماعي والعرقي والطائفي الهش فيها.
     إن دخول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تُسيطر عليها المعارضة السورية، أي المناطق الأكثر حاجة للمساعدة العاجلة، ما زال محدوداً. أبرزت المعضلة المطروحة أمام العمل الإنساني البلبلة الحالية: بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 46/182، لا تستطيع الأمم المتحدة العمل داخل المناطق التي يُسيطر عليها المتمردون بدون موافقة واضحة من الحكومة السورية. وبما أن الحكومة السورية لم تعد تُسيطر على هذه المناطق، يتساءل الكثيرون فيما إذا كنّا مضطرين إلى الإلتزام بسيادة نظام استبدادي ما زال مستمراً في مفاقمة الأزمة. يدعو البعض الآخر إلى القيام بأعمال إنسانية مباشرة عبر حدود الدول المجاورة بالتنسيق مع الإئتلاف الوطني السوري الذي يحظى باعتراف دولي. إن انتخاب غسان هيتو بتاريخ 18 آذار كرئيس وزراء مؤقت لحكومة انتقالية في المناطق "المحررة"، يُمثل نداء سيُسمع صوته أكثر فأكثر بلا شك.
     حان الوقت لكي يتغلب المجتمع الدولي على هذه العراقيل، ويسمح بتقديم جواب إنساني أكثر فعالية في سورية وفي أي مكان آخر بحاجة لذلك. إن إحدى الوسائل من أجل المضي إلى الأمام هو قيام بعض الدول المحورية مثل البرازيل وجنوب إفريقيا والهند بدعم الجهود المصممة على تسريع عمليات المساعدة الأممية عبر الدول المجاورة  إلى داخل سورية. سيكون بإمكان هذه الدول اغتنام الفرصة خلال قمة الدول الصاعدة "البريكس" (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا) في مدينة دوربان يومي 26 و27 آذار. يجب عليهم استخدام نفوذهم وممارسة الضغوط على روسيا والصين بشكل أساسي من أجل الحصول على موافقة مجلس الأمن على هذه المقاربة. يجب عليهم أيضاً الاستفادة من قنوات الاتصال المباشرة مع الرئيس السوري بشار الأسد للإلحاح على السماح بعمليات عبر حدود الدول المجاورة وضمان دخول المساعدة الإنسانية إلى جميع المناطق في سورية.
     لماذا دول "البريكس"؟ نظراً للمكانة المتقدمة التي احتلتها على الصعيد الدولي، من الواضح أن هذه الأمم تقوم بدور حاسم في توجيه الرد الدولي تجاه الأزمة. قامت بثينة شعبان، المستشارة السياسية والإعلامية لبشار الأسد، بزيارة جنوب إفريقيا مؤخراً حاملة معها رسالة إلى الرئيس جاكوب زوما، لكي تحث دول "البريكس" على التدخل من أجل إنهاء العنف في سورية وتشجيع البدء بالحوار. وقبل ثلاثة أسابيع من هذه الزيارة، قامت بالشيء نفسه في الهند. من الواضح أن هذا النوع من السياسة الوقحة التي يقوم بها النظام، يجب مواجهتها عبر نداءات أكثر قوة من أجل إنهاء العنف ضد المدنيين. إنها فرصة إستراتيجية لكي تستخدم دول "البريكس" نفوذها.
     لا مجال لإضاعة الوقت. لقد فشل المجتمع الدولي حتى الآن في مسؤوليته بحماية الشعب السوري. وحتى على صعيد تمويل العمليات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، لم يتم تحويل إلا 20 % فقط من أصل 1.5 مليار دولار التي وعدت بها الدول المانحة في مؤتمر الكويت في شهر كانون الثاني. سيترك الجمود الدولي حيال سورية إرثاً دائماً من المعاناة وعدم الأمن. إذا نظرنا إلى ما هو أبعد من الأراضي الوطنية السورية، فإن نتائج هذه الأزمة الإنسانية ستُساهم في زيادة عدم الإستقرار لدى الجيران المباشرين لسورية وفي المنطقة بأسرها. يقع على عاتق دول "البريكس" والمجتمع الدولي مسؤولية التحرك الآن.
     نظراً للوضع العاجل على الأرض، لن يكفي دخول المساعدات الإنسانية عبر الدول المجاورة. يجب تأمين ممر للمنظمات التي تقدم المساعدة وللاجئين الذين يحاولون مغادرة بلدهم من أجل حماية المدنيين. أصبح من الضروري أكثر فأكثر إقامة ممرات إنسانية ومناطق آمنة للمدنيين على طول الحدود السورية المتأثرة. يجب ألا نخطىء، يجب تأمين هذه المناطق وحمايتها عبر جميع الوسائل الممكنة. ما زال هناك الكثير لتعلمه من خبرة الأمم المتحدة في البوسنة خلال التسعينيات من خلال استخلاص الدروس التي نجحت وتلك التي لم تنجح.
     يجب على دول "البريكس" وشركائهم الدوليين الاستعداد لدعم مثل هذه الإجراءات. إن الوضع يتطلب ذلك. يجب على الأقل أن يطلبوا من بشار الأسد السماح للأمم المتحدة بعبور الحدود السورية لتلبية احتياجات المدنيين. تتمتع الأمم المتحدة بالكفاءات المؤسساتية الضرورية لتقديم المساعدة في  الأراضي المُجزّأة، الأمر الذي يجعلها المنظمة الأفضل للقيام بهذه العمليات في سورية. إن السماح للأمم المتحدة بتقديم جواب على مستوى البلد سيساعد على تجنب تسييس المساعدة وضمان جواب مُنسق في بعض القطاعات الحيوية مثل المياه وتنقيتها وإعادة بناء البنى التحتية والمساعدة الغذائية والتعليم.
     ما زال الهدف النهائي أن تكون الأمم المتحدة قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية لجميع المدنيين وأن تفرض احترام المبادىء الإنسانية الأساسية في هذا النزاع الدامي.