الصفحات

الأربعاء، 6 آذار، 2013

(ما هو مستقبل الإئتلاف الوطني السوري؟)


صحيفة الفيغارو 6 آذار 2013 بقلم إيزابيل فويرستوس Isabelle Feuerstoss، الباحثة في المعهد الجيوسياسي الفرنسي (Institut Français de Géopolitique) في جامعة باريس الثامنة

      إن إقتراح رئيس الإئتلاف الوطني السوري معاذ الخطيب بالحوار مع عناصر النظام الذين لم تتلوث أيديهم بالدماء، يكشف عن المساومات الجارية في الكواليس بين الدول الغربية وروسيا وإيران. يبدو أن الخشية من تصدير الفوضى قد تغلّب على التصميم الغربي بالتخلص من نظام دمشق. إن شبح تدفق الجهاديين إلى الأراضي الروسية والأوروبية يلعب دور الفزّاعة. إن معاذ الخطيب هو الوحيد القادر على محاولة التمهيد لمطالب أقل راديكالية من قبل المعارضة السورية.
      يُثير معاذ الخطيب الكثير من الآمال لدى العديد من السنة في المدن (كان مجهولاً لدى سكان المناطق الريفية حتى لحظة تعيينه رئيساً للإئتلاف الوطني السوري). إنه ليس معارضاً مُخادعاً، بل هو من المُقاومين منذ فترة طويلة. لقد رفض خلال عدة سنوات الخضوع إلى الرقابة على خطبته في الجامع لدرجة منعه من إلقاء الخطبة عام 1996. إنه سني ينتمي إلى سلالة من الخطباء الدمشقيين في الجامع الأموي بدمشق، ويعرف جيداً اللعبة السياسية المحلية. كما يُنظر إليه كرجل شريف في الوقت الذي يستشري فيه الفساد. إن سورية مجتمع أبوي تلعب فيه الأصول العائلية والقبلية دوراً أكثر أهمية من الكفاءة الفردية. إن أصول وتاريخ معاذ الخطيب تُطمئن جزءاً من الشعب الذي فقد مرجعياته بعد سنتين من النزاع. ويريد الكثيرون الاعتقاد بأنه قادر على لمّ شمل الجميع.
      إن أحد أهداف اقتراح معاذ الخطيب هو إثارة الانشقاقات داخل أنصار بشار الأسد. من الممكن أن يقوم الكثير من الضباط العلويين النافذين داخل الطائفة بتغيير المعطيات، ولكن أيديهم ملوثة بالدماء، وبالتالي من غير المحتمل أن يتخلوا عن بشار، كما أن أسماءهم موجودة على اللائحة السوداء للولايات المتحدة والدول الأوروبية. إن الضباط الذين ينصحون بشار حالياً كانوا في مناصبهم خلال الثمانينيات عندما أدت موازين القوى بين الغرب والنظام السوري إلى وقوع عمليات تفجير ضد المصالح الفرنسية والأمريكية في لبنان وفرنسا بالإضافة إلى عمليات خطف الرهائن و...الخ. إن المنطق السوري المُتشبث بموقفه حتى النهاية، ونشر إستراتيجية الإرهاب الدولي في الشرق الأوسط بالتعاون مع إيران، حقق أهدافه في النهاية.
      كان الحرس القديم في سورية يُفكر دوماً بهذا التكتيك: إطالة فترة موازين القوى والمقاومة حتى يتغير السياق الدولي لمصلحتهم. على الصعيد الداخلي، يحاول النظام المقاومة مع الدعم الذي يحظى به من قبل جزء من الشعب. إنه يراهن على الانتماء الطائفي، وقد استخدمه من أجل زيادة راديكالية المجموعات الإسلامية التي نشأت بسبب العنف والقمع. يُضاف إلى ذلك منطق: "إما نحن أو هم" الذي حقق نجاحاً كبيراً لم يسبق له مثيل. "هم"، تعني الإسلاميين المتطرفين الذين يريدون إقامة الخلافة، و"نحن" تعني العلمانيين حُماة الأقليات والسنة العلمانيين. يمارس النظام منذ بداية التمرد إستراتيجية الرعب التي زادت من الفوضى وعدم الأمان لكي يجعل جزءاً من السكان يتأسفون على "النظام القديم" والاستقرار السياسي والأمن الذي كان مضموناً.
      لم يعد النظام السوري قادراً على استعادة السيطرة على جميع الأراضي السورية، واختار مفاقمة تقسيم الأراضي (على الصعيد الوطني، مراكز المدن الكبيرة ضد بقية الأراضي) من أجل تقسيم المعارضة المسلحة التي تسعى كل مجموعة فيها إلى الحفاظ على السيطرة على أرضها على حساب إستراتيجية مشتركة. كما أن الجيش السوري لم يعد يستطيع القيام بعمليات واسعة على الصعيد الوطني، وأصبحت الميليشيات المحلية هي التي تقوم بأعمال العنف مثل الاغتيالات والنهب و...الخ.
      بالنسبة للنظام، من الضروري الحفاظ على السيطرة على مراكز المدن الكبرى ومنها دمشق. في سياق حرب العصابات داخل المدن، يسعى نظام بشار الأسد إلى ضمان أمن مراكز المدن والأحياء المؤيدة له (غالباً ما تكون منسجمة على الصعيد الطائفي والصعيد الاجتماعي المهني). لكي يتوصل إلى ذلك، لا يتردد النظام عن اللجوء إلى القصف والمجازر من أجل إخراج السكان السنة من الأحياء العشوائية (غير القانونية) أو الأحياء المكتظة التي لا يمكن السيطرة عليها والمُعادية جداً للنظام كما حصل في دوما وداريا.
      إن توسيع شروط المفاوضات مع النظام هو الوسيلة الوحيدة لكي تتقدم الأمور. وإلا، فإنه من الوهم الاعتقاد بأن النظام سيسقط قريباً بالنظر إلى موازين القوى الحالية. في بعض المناطق، ينظر السوريون إلى بعض المجموعات المسلحة المعارضة بأنها بربرية مثل النظام. وبالتالي، من الضروري ألا تتدهور كثيراً صورة الثورة داخل سورية ولدى الرأي العام الدولي.