الصفحات

الاثنين، 11 آذار، 2013

(أطفال درعا، شرارة التمرد)


صحيفة اللوموند 10 آذار 2013 بقلم مراسلها الخاص في إربد بالأردن بنجامان بارت Benjamin Barthe

     إنه أحد أطفال سورية الذين يعيشون في أحد المنازل بمدينة إربد برفقة مجموعة من المقاتلين المتمردين في كتيبة المنصور. لقد دخل هؤلاء المقاتلين إلى الأردن سرّاً لمعالجة جراحهم. جميعهم من مدينة درعا التي كانت مسرحاً للمظاهرات الأولى للثورة السورية. كان الطفل (محمد) مُكلفاً في درعا بوضع الرصاصات في بنادق الكلاشينكوف، أما في الأردن فهو يقوم بتقشير الخيار وتغيير الضمادات ومشاهد إحدى القنوات التلفزيونية التي تُمجّد بالتمرد ضد الرئيس بشار الأسد. ليس هناك أي شيء يُميّز هذا الطفل عن بقية الأطفال السوريين في إربد سوى ابتسامة الفخر التي تضيء وجهه عندما يتحدث عن درعا. لأنه كان أحد الأطفال الخمسة عشر الذين تجرؤوا في شهر شباط 2011 على كتابة شعار دخل التاريخ هو: "جايلك الدور يا دكتور" على جدار مدرسته.
     تعرض الأطفال الذين كتبوا هذا الشعار إلى السجن والتعذيب، الأمر الذي كان السبب في المظاهرات الأولى ضد الرئيس، وأيقظ الأحقاد والمعاناة المتراكمة بسبب أربعة عقود من الدكتاتورية. قال أحد الناشطين الأردنيين في مجال حقوق الإنسان تيسير مسالمة: "إن أطفال درعا ليسوا السبب في الثورة، إنهم الشرارة. كان التمرد سيندلع في جميع الأحوال بسبب ممارسات النظام. ولكن بدون هؤلاء الأطفال وعملهم المجنون، كان ذلك سيستغرق وقتاً أطول".
     ينتمي هؤلاء الأطفال إلى قبيلة أبازيد إحدى أكبر القبائل في درعا. أكد (محمد) الذي كان ضمن الفريق الليلي الذي كتب الشعار قائلاً: "لم نكن نتصور بالتأكيد أننا سنطلق ثورة. كان تصرفاً عفوياً ولعبة، كنا نريد فقط الاستهزاء ببشار". ودفعت نشوة الجرأة بثلاثة أطفال إلى كتابة أسمائهم تحت الشعار: بشير، نايف، أحمد. قامت أجهزة الاستخبارات في اليوم التالي باعتقال هؤلاء الأطفال الثلاثة، واعترفوا تحت الضرب بأسماء رفاقهم. فضّل بعض الآباء تسليم أبنائهم تحت التهديد بالانتقام. كان عددهم بالمحصلة 15 شاباً تتراوح أعمارهم بين 10 و16 عاماً، وتم وضعهم في زنازين المخابرات.
     قال (محمد): "كانوا يضربوننا بالكابلات الكهربائية على أقدامنا، وعاد أحد أصدقائي من الاستجواب والدماء على أصابعه بعد قلع أظافره. كانوا يريدون بأي ثمن أن نقول بأنه كان هناك شخص آخر وراءنا، أن عميل خارجي تلاعب بنا". إن اعتقال مجموعة من المراهقين هو أمر عادي في بلد يخضع منذ نصف قرن إلى الحكم التعسفي والقانون العرفي، ولكن اعتقالهم طال عدة أسابيع، وبدأت تنتشر إشاعات الاعتداء الجنسي عليهم.
     لم يعد الصمت محتملاً. ذهب الآباء برئاسة شيخ من قبيلة أبازيد إلى رئيس الأمن السياسي عاطف نجيب، وهو ابن خالة بشار الأسد. كان الزوار يأملون الحصول على مطلبهم لأن درعا لم تتمرد في السابق على السلطة المركزية بعكس حلب وحماة. ولكن عاطف نجيب لم يستجب لطلب الإسترحام الذي تقدم به الآباء، وتجاهل حتى بادرة رئيس الوفد الذي وضع عباءته على مكتبه كإشارة للخضوع، وقال لهم: "انسوا أطفالكم، وعودوا إلى نسائكم لكي تُنجب لكم أطفالاً آخرين. وإذا لم تكونوا قادرين على الانجاب، أحضروا لنا نساءكم، وسنقوم بذلك نيابة عنكم". سواء كان هذا الكلام صحيحاُ أم لا، فقد انتشر بسرعة في المدينة، وشعرت العائلات التقليدية في درعا بالإهانة.
     قامت حفنة من سكان درعا بتنظيم المظاهرة الأولى أمام قصر العدل بالمدينة بتاريخ 15 آذار، مُتشجعة بالمثال التونسي والمصري والليبي. في هذا اليوم أيضاً، تظاهر مئات الشجعان في أسواق دمشق لفترة قصيرة. ولكن لم يتجرأ المتظاهرون في درعا بفتح أفواههم بسبب الحصار الشديد من قبل الشرطة. انطلقت الصيحة التي حررت الجميع بعد ثلاثة أيام في أحد الجوامع الصغيرة في درعا، قال نعمان ساحان No’aman Sahan، أحد المهندسين اللاجئين في الأردن: "لم يكن المتمردون يريدون القيام بذلك في جامع العمري لأنهم يعرفون بأنهم سيكونون مراقبين جداً". عندما كان الإمام يدعو إلى احترام النظام، أطلق أحد الرجال إشارة "الله أكبر"، وشيئاً فشيئاً بدأ المصلون يرددون ذلك بصوت منخفض ثم ارتفع الصوت أكثر فأكثر. غادرت مجموعة الرجال الغاضبين قاعة الصلاة واتجهوا نحو جامع العمري الذي يقع على مسافة عدة مئات من الأمتار. عندما وصل عاطف نجيب والمحافظ فيصل كلثوم إلى المكان لتهدئة الناس، اضطرا إلى العودة تحت الإهانات والحجارة.
     قال مرسي أبازيد، أحد المقاتلين الذين يتعالجون في الأردن: "عندما هبطت الطائرات المروحية في ساحة الملعب البلدي، اعتقدنا حينها أن بشار جاء ليعتذر". ولكنها كانت تحمل وحدة من قوات مكافحة الإرهاب جاءت بناء على طلب عاطف نجيب، وأطلقت النار على المتظاهرين وقتلت شخصين هما: حسام عياش ومحمود جوابرة، أول شهيدين للتمرد. شارك في جنازتهما باليوم التالي السبت 19 آذار آلاف الأشخاص. قام نائب وزير الخارجية فيصل مقداد وأحد كبار المسؤولين الأمنيين رستم غزالة بتنظيم مراسيم العزاء، ولكن ذلك لم يساهم في تهدئة الناس. ولم ينفع أيضاً الإفراج عن بشير وبعض رفاقه يوم الأحد 20 آذار.
     ازداد غضب السكان عندما شاهدوا آثار التعذيب على الأطفال، وبدأت دوامة لا تنتهي من المظاهرات ثم القمع ثم الجنازات ثم مظاهرة جديدة. وصل الوضع إلى ذروته بتاريخ 24 آذار مع الهجوم على جامع العمري الذي تحول إلى قاعدة للمتمردين، ثم انتشرت المظاهرات في جميع أنحاء البلد. وهكذا ولدت الثورة.
     هناك طعم كئيب لهذا الأحداث بعد مرور سنتين عليها. لقد لجأ الشباب المعارضين في درعا إلى الأردن، ويرفض آباؤهم إجراء أية مقابلة. إن الخوف من جواسيس النظام يلعب دوراً في هذا التردد، وهناك حكايات من شتى الأنواع لا يمكن التأكد من صحتها حول هؤلاء الجواسيس. ولكن الخوف ليس كل شيء، قال مرسي أبازيد: "إن الأطفال ليسوا فخورين بقصة الشعار المكتوب على جدار المدرسة. يعاني بعضهم من نوع من الشعور بالذنب لأنه تم تدمير منازلهم انتقاماً، وفقدوا بعض أقاربهم. في جميع الأحوال، إنهم يحملون على أكتافهم عبئاً ثقيلاً جداً".
     يُفضل سكان درعا عدم التوقف عند هذه الحادثة، لقد سقط الكثير من القتلى ووقع الكثير من الدمار منذ ذلك الوقت. وما زالت هناك معارك كثيرة في المستقبل. إنهم يفكرون بداخلهم أن الثورة لا يمكنها الاكتفاء بتأمل الماضي ما دام المستقبل ليس مضموناً. وحتى (محمد) ليس متحمساً للحديث عن إنجازه، ويفضل الحديث عن عودته إلى بلده بعد عدة أسابيع، وعن التدريب على استخدام الكلاشينكوف كما وعده  الشباب الأكبر سناً. لن يعود إلى المدرسة قبل أن يرحل بشار الأسد، وسيلتقط صورة أمام الجدار الذي بدأ كل شيء منه.