الصفحات

الخميس، 14 آذار، 2013

(في سورية، يجب علينا أن نتقدم)


صحيفة الليبراسيون 14 آذار 2013 بقلم وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس

     أكثر من سبعين ألف قتيل ومليون لاجىء والتدمير المنهجي للبلد: إن الذكرى الثانية لانطلاقة الثورة السورية هي ذكرى الدم والدموع. تضرب ميليشيات النظام الرجال والنساء والأطفال بدون تمييز. سقط أحد الصواريخ على قرية أبو طلطل في منطقة حلب، فقتل ثلاثة أطفال (7 و9 و11 عاماً). رأينا منظر أجسادهم الدامية على أسرّة المستشفيات، وأصبح هذا المنظر رمزاً لهذا الشعب الذي يتعرض للقتل. إن الذين ينجون بحياتهم، يشاهدون اختفاء ماضيهم ومستقبلهم بسبب آلة القتل التي تُحركها عائلة. تتعرض حمص القديمة "عاصمة الثورة" إلى الحصار منذ أكثر من ثمانية أشهر من قبل جيش النظام، وتحولت هذه المدينة إلى ساحة للأنقاض. هناك نقص في المياه والكهرباء والدواء والطعام. أصبح الشعب بأكمله رهينة دكتاتور يقصف ويُعذّب ويغتال من أجل هدف وحيد هو إنقاذ حياته فقط.
     إن الحكومة الفرنسية متضامنة منذ البداية مع الثورة السورية. على الصعيدين الإنساني والسياسي، قمنا بتحمّل مسؤولياتنا أكثر من الآخرين بلا شك، وذلك في سياق كان فيه التدخل الأرضي وما زال غير ممكن في سورية. وصل حجم مساعدتنا الإنسانية للسكان المدنيين إلى عشرات الملايين من اليوروات بالإضافة إلى حصتنا في المساعدة الأوروبية. كنا في طليعة الدول التي قدمت مساعدة مباشرة إلى المجالس الثورية المدنية وإلى شبكات التضامن المحلية. كما هو الحال بالنسبة للكثيرين، كُنتُ، أو كنّا نتمنى تقديم المزيد في مواجهة المأساة الإنسانية وفضيحة هذا القمع الدامي. إن عمل المعارضة وتحرك جميع أولئك الذين يدعمونها، سمح بالحفاظ على الأمل. ولكن بشرط القبول أن الوقت قد حان للتقدم والانتقال إلى مرحلة جديدة.
     من المتفق عليه بشكل واسع اليوم أن بشار الأسد شخصياً لن يكون له مكان في سورية الغد، وكذلك الأمر بالنسبة لأولئك الذين يدعمون نظامه حتى الآن مُتذرعين بعدم وجود بديل. من الآن فصاعداً، هناك بديل. قام الإئتلاف الوطني السوري بهيكلة نفسه منذ شهر تشرين الثاني 2012، وكنّا من أوائل الذين اعترفوا به. لقد ظهر أن رئيسه معاذ الخطيب هو رئيس شجاع وزعيم يُصغي للشعب السوري ومعاناته. لم يتردد في مدّ يده إلى بعض خصومه لكي يحاول وقف هذه المجزرة. في الوقت الحالي، رد بشار الأسد بالمزيد من القصف وبفرض شروط غير مقبولة. ولكن العرض السياسي الذي قدمه الإئتلاف ما زال موجوداً: إنه طريق يمكن أن يرسم ملامح الحل السياسي لإخراج سورية من الفوضى.
     يعمل الإئتلاف الوطني أيضاً على تشكيل حكومة مؤقتة تشمل سلطتها المناطق المحررة، على الرغم من وجود بعض الاختلافات التي يجب التغلب عليها للوصول إلى نتيجة. إن تشكيل هذه الحكومة سيُمثل مرحلة جديدة نحو حل سياسي من  أجل سورية موحدة ومسالمة وديموقراطية وتفسح المجال أمام جميع الطوائف فيها. ستدعم فرنسا عمل هذه الحكومة في حال تشكيلها، وذلك كما أشار رئيس الجمهورية منذ شهر آب 2012.
     إن العملية السياسية قد تبقى مُعطلة إذا لم يتغير الوضع على الأرض. ولكن في هذه المرحلة، إن معركة الشعب السوري من أجل الحرية غير متوازنة إطلاقاً. يحصل نظام بشار الأسد ـ بالإضافة إلى الأسلحة الكيميائية ـ على الأسلحة والذخيرة من طهران وموسكو. أما المعارضة، فلا تملك الوسائل الكافية لحماية الشعب. لن يأخذ بشار الأسد عرض التفاوض من قبل الإئتلاف الوطني على محمل الجد، إلا إذا لم يكن لديه خيار آخر. من أجل أن يتجسد حل سياسي حقيقي، لا يمكن أن يستمر الإئتلاف في القتال بأسلحة غير متوازنة.
     يجب أن نستخلص في الذكرى الثانية جميع الدروس من هذا الوضع. تسوية دولية متصاعدة تعترف بمسؤوليتنا في حماية السكان المدنيين. يجب أن نمضي بعيداً ونسمح للشعب السوري بالدفاع عن نفسه ضد هذا النظام الدموي. يقع على عاتقنا تقديم المساعدة بشتى الوسائل إلى الإئتلاف وهيئة أركانه والجيش السوري الحر. وإلا ستستمر المجزرة دون أن يكون هناك أي مخرج محتمل غير تعزيز المجموعات الأكثر تطرفاً وانهيار سورية، مع كل النتائج المدمرة لهذا البلد ولجميع دول المنطقة.
     يجب علينا إقناع شركائنا ولاسيما في أوروبا بأنه لم يعد أمامنا خيار آخر إلا رفع الحظر عن الأسلحة لدعم الإئتلاف. على الصعيد الدولي، كانت فرنسا أول من دعم قضية الشعب السوري في كل مرحلة. يجب أن تكون فرنسا كذلك أيضاً في هذه اللحظة الحاسمة. ينطلق الحظر الأوروبي على الأسلحة من فكرة نبيلة هي: عدم إضافة الموتى إلى الموتى، والمعارك إلى المعارك. ولكن هذا الحظر ينقلب اليوم ضد أولئك الذين كانوا يطمحون بالحماية، لأنه لا يمنع أولئك الذين يرسلون السلاح إلى نظام الأسد، ويمنع دعم أولئك الذين يكافحون ضد النظام بشكل مشروع. يجب تحديد صيغ رفع هذا الحظر وبسرعة. عندما يعرف بشار الأسد أنه لا يستطيع البقاء بقوة السلاح، سوف يتحرك أو أن الوضع سيتحرك بدونه. يبقى ترجمة هذه المعاينة إلى أفعال لإنهاء آلام الشعب السوري. هذا هو التقدم إلى الأمام.