الصفحات

الجمعة، 1 آذار، 2013

(معركة دمشق تمر عبر داريا)


صحيفة الفيغارو 1 آذار 2013  بقلم مراسلها الخاص في دمشق جورج مالبرونو Georges Malbrunot

     تلقى (أحمد) رسالة قصيرة على هاتفه الجوال تقول: "جيش بشار الأسد يقتل فتاتين صغيرتين في داريا". كان (أحمد) قد هرب مؤخراً من داريا التي تتعرض إلى قصف شبه يومي منذ ستة أشهر من قبل نظام دمشق. تُحاذي داريا مطار المزة العسكري الذي تُقلع منه الطائرات المروحية التي تقصف مواقع المتمردين حول العاصمة. كما يقوم قادة النظام وعائلة الأسد، مثل بشرى شقيقة الرئيس التي تقيم في دبي مع أطفالها منذ الصيف الماضي، باستخدام هذا المطار لمغادرة سورية.
     المزة ليست فقط نقطة إستراتيجية بالنسبة للنظام، بل هي أيضاً مفترق طرق هام جداً. قال (أحمد) الذي زاد انتباهه من الحواجز العديدة التي أقامتها الأجهزة الأمنية المختلفة في دمشق: "إذا أخذنا المطار، سينفتح أمامنا الطريق إلى القصر الرئاسي، وسنُسيطر على الطريق المؤدي إلى لبنان والطريق المؤدي إلى القنيطرة باتجاه الجولان المحتل والطريق المؤدي إلى درعا". يجب أن يتجنب حواجز المخابرات الجوية التي تبحث عنه بعد أن دخل السجن ثلاث مرات منذ بداية التمرد قبل سنتين.
     يتعرض سكان داريا للملاحقة حتى بعد خروجهم من السجن لأن داريا أظهرت مقاومة بطولية تجاه الجيش. لم يبق في هذه المدينة إلا ألف مقاتل من أصل عدد سكان المدينة البالغ 250.000 نسمة، واضطر الباقون إلى الهرب تحت القنابل باتجاه الأحياء المجاورة مثل المعضمية وكفرسوسة. لقد اضطر (بسام ـ 48 عاماً) مثلاً إلى اللجوء مع زوجته وأطفاله الخمسة داخل كوخ صغير: كان (بسام) سائقاً وهو عاطل عن العمل حالياً، ويجهل فيما إذا كان منزله أمام مخفر الشرطة ما زال قائماً، ولكن أطفاله يتوسلونه للعودة إليه، فيرد عليهم قائلاً: "العودة خطيرة جداً لأن قناصي النظام يطلقون النار على الذين يحاولون دخول داريا من جديد".
     يُكرّس (أحمد) وقته للاهتمام بالمساعدة الإنسانية، وما زال يُخاطر بالدخول إلى داريا. لقد أكد في أحد مقاهي دمشق قائلاً: "إن الأمر الأكثر صعوبة ليس عبور الحاجزين للدخول، بل في اختيار اللحظة المناسبة للخروج". يقتل الجيش حوالي ستة أشخاص من سكان داريا يومياً، كما قامت وحدات النخبة التابعة للنظام بقتل 700 متمرداً في شهر آب الماضي خلال 48 ساعة. وفي الأسابيع اللاحقة، دخل ثمانية آلاف متمرد آخر إلى داريا على أمل المشاركة في معركة دمشق التي كان التمرد يفكر بشنّها مع المقاتلين في جوبر ودوما والقابون. ولكن الحرس الجمهوري اكتشفهم، ووقع المعارضون في الفخ على الرغم من رفضهم الاعتراف بالهزيمة.
     إذا كانت المزة التي يستهدفها المتمردون مُحصنة بشكل كبير، فإن داريا تضم بعض الأنفاق الهامة التي تصل إلى محطة للتصفية ويستخدمها المتمردون للتنقل ذهاباً وإياباً. ومن الممكن أن يكون الجنود بانتظارهم في الجانب الآخر من النفق. يمتلك الضباط السوريون العديد من صور المتمردين الذين تم القبض عليهم، ومن بينهم بعض الجهاديين الأجانب مثل الطيارين الليبيين السابقين الذين قامت دمشق بتدريبهم في السابق، وكان من المفترض أن يُسيطروا على طائرات النظام لكي يستخدموها لقصف القصر الرئاسي التي يُطل على مطار المزة.
     أكد الناشطون أنهم تعلموا الدروس من فشلهم بالصيف الماضي. قال (أحمد): "قبل المجزرة، كانت هناك مجموعتان مسلحتان تُقاتلان بشكل منفصل، الأولى إسلامية والثانية وطنية. ومنذ ذلك الوقت، أصبحنا مجموعة واحدة، ويقوم المدنيون في داريا بمراقبة نشاط العسكريين". يتألف المجلس الثوري الجديد من مُمثل عن كل مكتب من المكاتب العشرة التي أنشأها المتمردون (الإعلام والشؤون الإنسانية والعسكرية والاجتماعية...). يتم انتخاب ثلاثة منهم كل ثلاثة أشهر من أجل تشكيل اللجنة التنفيذية التي تتمثل إحدى مهامها الرئيسية بمناقشة الأعمال العسكرية التي يجب أن يقوم بها "شهداء داريا" لمواجهة جنود الأسد.
     قال (أحمد): "أرسلت لنا جبهة النصرة حوالي عشرين مقاتلاً من عناصرها، ولكن وجودهم لم يتم تقبّله بشكل جيد". يشتكي المتمردون هنا، كما في بقية الأماكن، من نقص السلاح الذي يُرسله المجتمع الدولي، قال (أحمد): "نحن بحاجة إلى قذائف مضادة للدبابات وكمامات للوقاية من الغازات. لقد حاولنا الحصول عليها، ولكن المهربين الذين اتصلنا بهم أجابوا بأنهم لا يستطيعوا تأمينها". كما لو أن الغرب والدول العربية التي تدعمهم، كانوا يتحكمون بحنفية الأسلحة التي لا يرسلونها إلا بالقطّارة.
     استأنف النظام خلال فترات الهدوء النادرة الاتصال مع وجهاء داريا لكي يقوموا بإقناع المتمردين بوقف المعارك. قال ناشط آخر استطاع الخروج من داريا اسمه (أمجد): "نحن مستعدون لذلك، ولكننا نريد ضمانات بأن النظام لن يُلقي القبض علينا على الحاجز عند عودتنا. ولكن لا أحد يستطيع إعطاء مثل هذه الضمانات".
     سيأتي خلاصهم على الأغلب من المعركة القادمة للسيطرة على دمشق. قال (أحمد): "هناك عشرات الآلاف من الرجال الذين يتجمعون حالياً حول المدينة. أتوقع أن يبدأ الهجوم بعد شهرين كحد أقصى". حاول بعض المتمردين في الأسبوع الماضي القيام باختراق انطلاقاً من القابون. لقد أكد (أحمد) وأصدقائه أن التمرد يملك خلايا نائمة في العاصمة، وأنها تنتظر الضوء الأخضر للتحرك. قال (أحمد) مُحذراً: "ولكن هذه المرة سنؤمن التموين اللوجستي للوحدات المقاتلة، ولن نرتكب الخطأ نفسه الذي ارتكبناه في العام الماضي".
    قلّل أحد الدبلوماسيين النادرين الذين ما زالوا يعملون في دمشق من أهمية هذا التهديد قائلاً: "قال لنا العديد من قادة المتمردين في السابق أنهم سيأتون لتناول فنجان من الشاي معنا في فندق الشيراتون بتاريخ 28 تشرين الثاني. ولكن لم يحصل شيء في هذا اليوم. وغادر الدبلوماسيون الأوروبيون سورية لوحدهم، مُعتبرين أن هذا التهديد كان جدّياً".