الصفحات

الأحد، 10 آذار، 2013

(في عتمة، بين الثورة وخيبة الأمل)


صحيفة اللوموند 10 آذار 2013 بقلم مراسلها الخاص في قرية عتمة بشمال سورية كريستوف عياد Christophe Ayad

     ربما سيطوي النسيان هذا المعسكر التدريبي للثورة السورية، إنه الحلم الضائع الذي يشهد على طموح مجنون وعبثي. يتألف هذا المعسكر التدريبي من ثماني خيم عسكرية منصوبة إلى جانب بعضها البعض على منحدر إحدى الهضبات، ويوجد أمامها ساحة للتدريب مُجهزة بحبال مشدودة بين أشجار الصنوبر وبأسلاك شائكة لتعلّم الزحف وجدار صغير للتسلق ومنصة للرماية. كل ذلك بحالة ممتازة، وحتى المرافق الصحية والمطبخ مبنية بالاسمنت. ولكن هذا المعسكر المثالي فارغ. لقد عاد المقاتلون إلى منازلهم بأمر من رئيسهم (أبو محمود)، وبقي أحد الشباب المتمردين فقط لحمايته من السارقين الذين ينهبون المعدات (الخيام والسجاد والمدافىء الصغيرة وحاسوب موصول بالأنترنت عن طريق الأقمار الصناعية). يشعر هذا الشاب بالملل وهو يحصي عدد القطرات التي تسقط على القماش الثخين، ولم تعد بطارية هاتفه الجوال صالحة للاستخدام من كثرة استهلاكها بجميع الألعاب الممكنة. لم تعد الكتيبة 309 موجودة، بعد أن كانت تتألف من حوالي ثلاثين رجلاً. لقد كانت هذه الكتيبة التجسيد المثالي لهذا الشعب الذي حمل السلاح لمقاومة طغيان بشار الأسد أي: كتيبة صغيرة ومستقلة وعلمانية وتتمتع بحس المواطنة.
     كان (أبو محمود) ضابطاً في الأمن العسكري بحلب، وقرر الانشقاق بتاريخ 14 آذار 2012 عندما أعلن رئيسه العميد مصطفى الشيخ استقالته. أمضى (أبو محمود) عدة أشهر في تركيا، ثم عاد ليستقر في قرية عتمة بالقرب من الحدود التركية لأن عائلته تنحدر من هذه القرية. قام بتجنيد حوالي ثلاثين شاباً في المنطقة لأن "تجنيد عدد أكبر من ذلك لن يكون مُجدياً" برأيه، كما أنه يعرفهم جميعاً بشكل شخصي وقال: "لا أريد متطرفين ولا عنف، أريد جنوداً". قام بإنشاء معسكره على أرض تابعة للعائلة على قمة هضبة تُطل على واد مُشجّر ويعبره نهر صغير. إنه مكان مثالي لتدريب رجاله قبل الذهاب إلى القتال. يضم المعسكر أيضاً زنزانة للاعتقال تقع تحت إحدى المغارات، إنها زنزانة من أجل "المتمردين غير المنضبطين" كما يقول (أبو محمود). لقد جاء ثلاثة من جنود النخبة الإيرلنديين السابقين الذين تحولوا إلى مرتزقة مستقلين لكي يقدموا المساعدة "تعاطفاً" معهم كما يقول (أبو محمود)، ثم عادوا جميعهم إلى بلدهم في نهاية الصيف.
     قام (أبو محمود) بتشكيل كتيبته حسب الوسائل المتوفرة وبدون مساعدة خارجية، وقال: "كنا كتيبة صغيرة جداً وليست إسلامية بما فيه الكفاية للحصول على أموال الخليج أو أموال رجال الأعمال السوريين في الخارج". بدأت هذه الكتيبة القتال في شهر حزيران بعد أن أنهت استعدادها. لقد شاركت في العديد من العمليات، وذهبت الكتيبة 309 إلى حلب اعتباراً من شهر آب، ودافعت عن حي باب الحديد، وشاركت في الهجوم على مقر المخابرات الجوية في الليرمون. قال (أبو محمود) متأسفاً: "كان من الخطأ الدخول إلى حلب قبل أن نسيطر على أي  موقع من المواقع العسكرية البالغ عددها 25 موقعاً حول المدينة. ولكن لم يكن لدينا خيار، لم يكن بالإمكان تركهم يسقطون. إن حلب مُدمرة الآن، ولن يبقى منها شيء عندما تصبح محررة".
     اكتشف (أبو محمود) أوهامه في حلب وقال: "في البداية، كنا نقاتل للقضاء على النظام والظلم والطغيان. لقد حملنا السلاح للدفاع عن المدنيين وعن نسائنا وأطفالنا، ولكن ما أراه اليوم هو سباق إلى المال والسلطة. ما زال المدنيون يموتون، ولكن القادة غير مبالين. إنهم ينهبون كل ما يستطيعون نهبه: في البداية، نهب مؤسسات الدولة، ثم نهب المنازل والسيارات المتروكة، ثم نهب مستودعات المعامل والنحاس والقطن والخشب، والآن نهب الطحين والبنزين". لقد تم بيع كميات كبيرة من المواد الأولية إلى التجار الأتراك بأسعار بخسة. وصف (أبو محمود) هذه الانحرافات بعبارة بليغة: "سرق الحرامية والفاسدون ثورتنا الجميلة". ما هو الدليل الواضح على هذا الفشل؟ أجاب (أبو محمود): "إذا مات بشار غداً، ستستمر الحرب في سورية".
     يعتبر (أبو محمود) أن "الأموال التي أرسلتها دول الخليج أفسدت كل شيء، لأنها تسببت بنزاعات وانشقاقات. لقد أراد كل شخص تأسيس مجموعة خاصة به لكي يقبض راتبه". إن المساعدة الوحيدة التي حصل عليها (أبو محمود) كانت خمسة آلاف دولار من قبل مصطفى الشيخ الذي كان حينها رئيس هيئة الأركان العسكرية للمعارضة السورية، وتم طرده فيما بعد بسبب الصراع المستمر على السلطة. لقد تغيرت هيئة أركان الجيش السوري الحر حوالي ست مرات خلال عام واحد، قال (أبو محمود) أحد قادة المتمردين السابقين: "في الوقت الذي كانوا يتنازعون فيه على الألقاب والمناصب في تركيا، كنا نحن نقاتل في حلب بأقل من بندقية واحدة لكل رجلين. كان يجب إحصاء الرصاصات. كنا ندفع كل شيء من جيوبنا، وحتى الموت".
     ألقى (أبو محمود) سلاحه في شهر كانون الأول 2012، واستدعى رجاله وقال: "شرحت لهم أنها لم تعد الثورة التي تخلينا عن كل شيء من أجلها. لقد صوتوا، ووافقت الأغلبية معي". لقد انضم ثلاثة شباب فقط إلى كتائب أخرى في حلب ومنطقة حماة. أما (أبو محمود) فقد اشترى 14 خروفاً ويأخذهم للرعي يومياً في الهضاب المحيطة، ويُكمل دخله عن طريق بيع الخشب للتدفئة. عاد به الحنين إلى المعسكر، ولجأ إلى إحدى المغارات الكبيرة تحت الأرض، وحولّها إلى غرفة محصنة. شربنا الشاي الساخن والمُحلّى في هذه الغرفة المحصنة، وروينا حكايات تبعث على البكاء مثل: تاجر المازوت في معرة مصرين الذي كان يُفضل النوم فوق مخزونه بانتظار ارتفاع الأسعار، أو تاجر الآثار القديمة الذي بإمكانه الآن التنقيب عن الآثار دون الخوف من القبض عليه، أو أحد المتمردين على رأس كتيبة وهمية من أجل جمع الأموال أكثر من أجل القتال، ويدّعي على الأنترنت بأنه قام بالمعارك التي قام بها الآخرون. تناول النقاش أيضاً الوضع الحالي في البلد، قال (أبو محمود): "كانت الثورة بأيدينا وتركناها تسقط على الأرض. إذا لم نكن أفضل من النظام، ما الفائدة من المطالبة بسقوطه؟". ولكن لكي لا يُساء فهمه، فإن هذا الضابط المتمرد يستبعد أي عودة إلى الوراء كما ترغب الدعاية الإعلامية للنظام ويقول: "لا بشار ولا الحرامية"، واعتبر أن الكفاح المسلح ليس غاية بحد ذاته.
    إن هذا التعب من الثورة، لا يُعاني منه (أبو محمود) فقط. إنه يمس أيضاً بعض الناشطين المدنيين منذ الساعة الأولى، لأنهم يشعرون بالرعب من تزايد أعمال الترهيب التي يقوم بها المتمردون، ولاسيما إعدام الجنود وعناصر الميليشيات المؤيدة للنظام بدون محاكمة، وقد تم ذبح بعضهم وتقطيع أوصال البعض الآخر كما ظهر في بعض أفلام الفيديو المرعبة. لقد أدانت عضوة لجنة حقوق الإنسان حول سورية في الأمم المتحدة القاضية كارلا ديل بونتي Carla Del Ponte بتاريخ 18 شباط 2013 جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الطرفان، الأمر الذي ساهم في تأكيد فكرة أن النظام السوري ليس الوحيد الذي يرتكب الانتهاكات. ترافقت هذه الملاحظة المرّة مع تصاعد قوة المجموعات الإسلامية على الأرض، فهي أفضل تنظيماً وأكثر انضباطاً وأقل تأثراً بضغوط المجتمع الدولي. قال (أبو محمود): "إنهم ينجحون لأنهم يقاتلون من أجل الله وليس من أجل المال. ولكن الأمر الذي لا أحبه فيهم هو أننا لا نعرف من هم وماذا يريدون. من السهل إدراك الحافز الذي يدفع الحرامية، بينما لا يقول الإسلاميون ما هي أهدافهم".
     في هذا الوقت الذي يسود فيه الغموض بشكل كبير، من الصعب تمييز الإسلاميين الحقيقيين عن الإسلاميين المزيفين. تؤكد الشائعات في عتمة حقيقة الغنى المفاجىء لـ (الخال زازا) رئيس إحدى الكتائب المتمردة ومسؤول عن أحد مخيمات النازحين: إن الحرب والعمل الإنساني هما الوسيلتان المضمونتان للاغتناء في سورية حالياً. كان (الخال زازا) نجاراً مُثقلاً بالديون قبل الحرب، وأصبح اليوم مالكاً لقافلة صغيرة من السيارات رباعية الدفع، وضاعف ممتلكاته العقارية في سورية وتركيا التي قام بتوظيف جزء من أمواله فيها. فيما يتعلق بكتيبته التي لم يراها أحد في المعارك، يبدو أنها تُستخدم لحماية الممتلكات التي حصل عليها عن طريق النهب والتهريب وبيع المساعدة الإنسانية.
     (عادل ـ اسم مستعار) هو موظف سابق في إحدى المنظمات غير الحكومية، وقد روى تجربته في عتمة قائلاً: "عندما أرسلت ألف غطاء للنازحين، اكتشفت لاحقاً أن ربعها فقط وصل إلى المخيم، وتم بيع الباقي في سوق المدينة. من يقوم بأعمال التهريب؟ لماذا العيون مغلقة عنهم؟ طرحت الكثير من الأسئلة، ولكن لا أحد يريد الإجابة. لقد  تعرضت للتهديد، وقدمت استقالتي في النهاية. إن هؤلاء الناس أسوأ بكثير من  الشبيحة: إنهم يقتلون دون إطلاق رصاصة واحدة". لم يقل (عادل) من هم هؤلاء الأشخاص، ويقول أنه مهدد بالموت.
     يتركز عشرات الآلاف من النازحين في عتمة بسبب قربها من الحدود مع تركيا التي تضمن الأمن والحد الأدنى من المساعدة. هناك تنافس ضاري بين المجموعات المسلحة حول هؤلاء النازحين، وتسعى هذه المجموعات إلى تجنيد النازحين وتحسين شعبيتها. تلقى مالك الفرن في القرية قبل فترة قصيرة مكالمة هاتفية غريبة: لقد اقترح عليه رئيس إحدى المجموعات الإسلامية المسلحة تمويل ما يعادل يوم كامل من الخبز بالطحين والمازوت لجميع سكان عتمة والنازحين فيها. في العادة، تقوم منظمة سعودية غير حكومية بتأمين الاحتياجات اليومية. ولكن رئيس هؤلاء المتمردين فرض شرطاً لعرضه السخي هو: توزيع الخبز في أكياس بلاستيك عليها شعار المجموعة المسلحة. يتطابق هذا الشرط مع ممارسات الإخوان المسلمين الذين يبحثون عن نقاط اتصال داخل البلد بعد عدة عقود من الغربة. لقد رفض مالك الفرن هذه الصفقة دون الإعلان عنها لكي يتجنب المشاكل.
     قال (أبو محمود) وهو جالس في مغارته: "أنتظر أن يقتل الحرامية بعضهم البعض، ثم سيكون  هناك دوماً متسعاً من الوقت لحمل السلاح والمضي بهذه الثورة حتى النهاية".