الصفحات

الأحد، 9 كانون الأول، 2012

(في جبل التركمان)


صحيفة اللوموند 17/10/2012  بقلم مراسلها الخاص في جبل التركمان (الرابي ـ Rabie) لويس روث Lewis Roth
     لم تعد الحدود إلا أسلاك شائكة يجري العبور فوقها دون التفكير بها لدخول سورية!. في الشمال، هناك لواء اسكندرونة وهو أرض تركية تسكنها أغلبية عربية علوية مؤيدة لنظام بشار الأسد. أشار (طارق) إلى أن علويي لواء إسكندرونة هم الذين يقومون بإحراق الغابة لمنع المتمردين من عبور الحدود. في الجنوب، هناك جبل التركمان السوري الذي يدعم الثورة ويرى فيها الفرصة للانتقام من النظام الذي اضطهد السنة. إن هذه المواجهة على جانبي الحدود التركية ـ السورية، ربما تؤدي إلى جر دمشق وأنقرة إلى حرب بالوكالة بعد وصول التوتر إلى ذروته منذ حوالي عشرة أيام بسبب سقوط قذائف سورية تستهدف المتمردين على الحدود داخل الأراضي التركية.
     كان جبل التركمان هادئاً نسبياً في بداية الثورة، ولكنه في النهاية حرر نفسه في شهر حزيران 2012. لقد استطاع الثوار المحليون السيطرة على مدينة الرابي، وهي أهم مدينة في الجبل، خلال أربعة أيام فقط من المعارك. قال (أبو سامر) الذي يقوم بمهمة رئيس الشرطة المحلي: "لقد سيطرنا خلال الشهرين الماضيين على جميع القرى واحدة تلو الأخرى، ثم سقطت الرابي مثل ثمرة ناضحة". إن الرابي مدينة محررة ولكنها تعيش بوتيرة بطيئة، فقد استبدل الثوار السلطات المحلية بمجالس منتخبة وتخلصوا بذلك من أحقادهم القديمة. قال (أبو سامر): "نحن أطفال هذا البلد، ولكن جميع الوظائف الحكومية في هذا النظام تذهب إلى العلويين. كل شيء لهم: السلطة والمياه والمال. إننا نستعيد ما هو لنا أصلاً".
     قال (أبو نذير): "عندما سقطت الرابي، رحل جميع الموظفين الحكوميين وأغلقت المدرسة والمستوصف أبوابهما، وتوقفت الحكومة عن دفع الرواتب وقطعت المياه والكهرباء. نعيش حصاراً شبه كامل. اضطررت للاتصال مع المهربين في جسر الشغور ـ المنطقة الحكومية ـ من أجل الحصول على الرز والمعلبات".
     كانت مدينة الرابي حتى بداية شهر أيلول عرضة لمدافع الجيش الحكومي الموجودة في قمة برج القصب. ولكن الجيش السوري الحر استطاع السيطرة على هذا الموقع بعد معارك عنيفة، وأصبح الخطر يأتي من الطائرات المروحية التي تحلّق يومياً فوق المدينة وتُلقي البراميل المليئة بمئات الكيلوغرامات من المتفجرات والقطع المعدنية من أجل قتل أكبر عدد ممكن من الضحايا. لا يستخدم النظام الطائرات المقاتلة لأنها مجبرة على عبور الحدود التركية لقصف المدينة.
     هربت أغلبية سكان الجبل إلى تركيا خوفاً من القصف والحصار، ولكن الحدود أصبحت مغلقة أمام اللاجئين منذ منتصف شهر أيلول، وينام المرشحون للهجرة في الغابة على طول الحدود بانتظار الفرصة المناسبة للعبور إلى الجهة الأخرى. لم يبق في مدينة الرابي إلا الرجال لكي يقاتلوا مع الجيش السوري الحر أو لحماية بيوتهم من اللصوص.
      لقد سكن المهجرون في الداخل مكان الذين هربوا إلى تركيا، وأغلبية هؤلاء المهجرين هم التركمان الذين جاؤوا من المنطقة الساحلية التي ما زالت تحت اسيطرة الحكومة. هذا هو الحال بالنسبة للطبيب محمد أحوالة Mohamed Ahoualeh الذي تبحث عنه الأجهزة الأمنية وابنتيه الطبيبة نسمة والصيدلانية صفا. إنه الطبيب الوحيد في دائرة قطرها 15 كم، ويعالج الأطفال الرضع والجرحى من المقاتلين والمدنيين.
     تم إنشاء المستشفى الميداني الوحيد في المنطقة في اليمادية Yamadieh الملاصقة للحدود تقريباً، قال الممرض والمقاتل أيمن كاراجان: "نحن قريبون جداً من تركيا لدرجة أن طائرات بشار لن تستطيع قصفنا. إننا في منطقة تركية. إذا جاء بشار يبحث عنا، سيجد أردوغان يحمينا. يعيش أردوغان! بدون تركيا، سنموت هنا".
      يتزايد باستمرار عدد المقاتلين في صفوف الجيش السوري الحر في جبل التركمان، وأصبحوا أكثر جرأة. فبعد أن قطعوا طريق حلب ـ اللاذقية في بداية شهر أيلول، يهاجمون الآن القرى العلوية المجاورة، ويتقدمون شيئاً فشيئاً نحو مدينة اللاذقية. وتجري حالياً معارك بالقرب من بحيرة بلوران. ولكن هذه المعطيات الجديدة تهدد بتحويل جبل التركمان الجميل إلى مكان لحرب طائفية دامية. أكد أحد المقاتلين التركمان (أبو مصطفى) قائلاً: " في كل مرة ندخل فيها قرية علوية، نحرص على عدم إيذاء أي شخص. للأسف، إنهم يفضلون الهرب نحو اللاذقية والاحتماء بالنظام".
     يتبادل النظام والمتمردون الاتهامات بحرق القرية العلوية (القندسية) بعد سقوطها بأيدي الجيش السوري الحر. لا يمكن أن يسمح جيش بشار الأسد للمتمردين بالدخول إلى المنطقة العلوية، ولذلك أخذ هذا التهديد على محمل الجد وعزز مواقعه. قال (أبو مصطفى): "سيفشل مشروع الدولة العلوية لبشار بفضل مقاتلي جبل التركمان. سنمنعه من الاتصال مع العلويين في تركيا".
      يستعد المتمردون في الشمال للهجوم على قرية كسب التي يسكنها التركمان والأرمن وما زالت تحت سيطرة الجيش السوري. قال (أبو مصطفى) مهدداً: "إذا سيطرنا على كسب، سنحصل على منفذ مباشر على البحر وعلى معبر رسمي مع تركيا. أحذّر إخواني الأرمن في كسب أنه يجب أن يغادروا قبل هجوم الجيش الحر وإلا سيتعرضون لخسائر بشرية أو حتى التشكّي من مجزرة يرتكبها الأتراك". إن هذا التحذير يثير الخوف.