الصفحات

الثلاثاء، 18 كانون الأول، 2012

(في إدلب، تأثير الجهاديين "الفعّال")


صحيفة الليبراسيون 18/12/2012 بقلم مراسلتها في إدلب هالة قضماني

     انضم (مروان ـ 21 عاماً) قبل فترة وجيزة إلى جبهة النصرة، هذه المجموعة الجهادية التي لا تشبه هذا الطالب في السنة الثانية بكلية الهندسة الميكانيكية. لقد خالف (مروان) رأي أعمامه الذين عاتبوه على خياره، قال (مروان) الذي انضم سابقاً إلى إحدى الكتائب المحلية للجيش السوري الحر: "يتصرف رجال الجيش السوري الحر مثل جيش النظام، إنهم لا يحترموننا وجميعهم فاسدين. لا أستغرب ذلك عندما يكون رئيس الكتيبة أحد عمال البناء السابقين في القرية، ويصرخ دوماً لإصدار أوامره إلى المقاتلين، وذلك على الرغم من أنه لا يُعلّمنا شيئاً، ويعود سبب وجوده في هذا المنصب إلى أن أحد أقربائه عضو في المجلس الوطني السوري". أشار (مروان) إلى أن سبب  انضمامه إلى جبهة النصرة هو الغضب الشديد من المعارضة السياسية وقوات المتمردين، وقال: "انتظرت ثلاثة أشهر قبل الحصول على بندقية روسية، ولم أحصل على أي تدريب. كنّا نُعلّم بعضنا البعض بفضل بعض الذين أنهوا خدمتهم العسكرية. وعندما كانوا يرسلوننا للقتال في منطقة حلب، لم يكن يحق لنا إلا وجبة طعام واحدة يومياً".
     لا يكفي هذا الغضب لتفسير اهتمام الشباب المتزايد بجبهة النصرة في هذه القرية وفي أغلب المناطق السورية التي يستمر القتال فيها. لقد تصاعدت قوة هذا الحزب الجهادي في الفترة الأخيرة بشكل يلفت الانتباه، وانتشرت بشكل متزايد الشهادة الإسلامية المكتوبة على الأعلام وعلى شريطة تلف رأس المقاتلين وحتى على السيارات التي تجول في الشوارع بدون نمرة. تُمثل هذه الشهادة الإسلامية علامة لجبهة النصرة، وهي نفسها علامة تنظيم القاعدة. إن مؤسسي جبهة النصرة هم من السوريين السنّة الذين حاربوا ضد الوجود الأمريكي في العراق، وتُذكّر عمليات التفجير الأولى التي قامت بها بأسلوب هذا التنظيم الإرهابي. ولكن هذه العلاقة مع تنظيم القاعدة ليس واضحة أو مقبولة كثيراً، ولا يأخذها بعين الاعتبار المقاتلون الجدد الذين انضموا إليها أو المُعجبون المتزايدون بجبهة النصرة، والذين أصبحوا في طليعة المعارك ضد قوات بشار الأسد. لقد أصبحت شعبيتها كبيرة لدرجة أن المعارضة السورية بأكملها، احتجت على قيام الولايات المتحدة بإضافة اسم جبهة النصرة إلى قائمة المنظمات الإرهابية.
     قال (مروان) أن مقاتلي جبهة النصرة هم "الأكثر أمانة وإيماناً وإخلاصاً وفعالية وشجاعة في المعارك. عندما انضممت إلى صفوفهم عن طريق أحد زملائي في الدراسة، أرسلوني إلى إحدى المجموعات، وأعطوني لباساً وسلاحاً متطوراً بالإضافة إلى تعليمات محددة لكل لحظة في اليوم". يتم نقل هذه المعلومات إلى العضو الأكبر سناً في كل وحدة مؤلفة من خمسة إلى عشرة مقاتلين، ويقوم بنقلها "أمير" يبقى مجهولاً بالنسبة لأعضاء المجموعة في أغلب الأحيان. على الرغم من ذلك، تم التعرف على أحد قادة هذه المجموعات في قرية (مروان)، وهو شخص يبلغ عمره حوالي الخمسين عاماً، لقد تم الإفراج عنه قبل عدة أشهر بعد أن أمضى عدة سنوات في السجن بدمشق، ولكن (مروان) أشار إلى أن هذا الرجل ليس شخصاً هاماً، وأنه لا يحظى بالكثير من الاحترام والتقدير.
     يلتزم المتطوعون في جبهة النصرة بمنطق السرّية سريعاً، ويتعلمون بشكل خاص عدم طرح الأسئلة، ولاسيما حول عشرات الشباب السعوديين الذين يمضون أمسياتهم على الأنترنت في أحد مقاهي القرية. قال (أبو فؤاد)، وهو مزارع سابق من إحدى العائلات المحلية الكبيرة ويهتم بالشؤون  اللوجستية للكتيبة المحلية التابعة للجيش السوري الحر: "يُمثل الأجانب 1 أو 2 % من مقاتلي الحركة، وهم بشكل أساسي من شباب القرية. إنهم يقاتلون بشجاعة وضراوة لا مثيل لها، ويذهبون إلى الموت بلا تردد". واعترف (أبو فؤاد) متهكماً بخصوص الجهاديين الأجانب قائلاً: "نحن نمنحهم الشهادة التي جاؤوا يبحثون عنها أثناء العمليات المشتركة". أصبح التنسيق بين قوات جبهة النصرة والجيش السوري الحر هو القاعدة المتبعة في أغلب الأحيان أثناء المعارك، وكذلك الحال بالنسبة لتوزيع المهام الأمنية في شمال سورية "المُحرر" وتوزيع الأسلحة وبقية المعدات التي تم الاستيلاء عليها بعد السيطرة على القواعد العسكرية للأسد.
     إن الإمكانيات المالية الكبيرة التي يحظى بها الجهاديون، هي السبب الأساسي في نجاحهم. قال (أبو فؤاد): "في الفترة الأخيرة، عندما أقوم بالتفاوض على شراء صواريخ مضادة للدبابات ومعدات أخرى على الحدود التركية، يأتي السلفيون ويعرضون أسعاراً أفضل للبائعين الروس في أغلب الأحيان. يأتي الشيوخ السعوديون والكويتيون بحقائبهم المليئة بالدولارات ويشترون كل شيء في السوق". إن ضعف وتشتت المساعدة العسكرية التي يحصل عليها الجيش السوري الحر، هي التي تمنعه من جذب المقاتلين والحفاظ عليهم.
     اعترف (مروان) بأنه لم ينضم إلى جبهة النصرة لأسباب إيديولوجية، وقال: "الشيء الوحيد الذي لا أحبه هو أسلوبهم التكفيري الممنهج: إنهم يعتبرون جميع الذين لا يوافقونهم على تفكيرهم بأنهم كفار". لقد تم توزيع منشور في قريته، ووضع هذا المنشور على قدم المساواة كل من البعثيين والقوميين والعلمانيين والديموقراطيين، ووصفهم بأنهم "أعداء الله". وأشار (مروان) مُبتسماً إلى أن هدفهم المعلن بعد "الانتصار على النظام العلوي" هو إقامة إمارة إسلامية من أجل غزو القدس ثم الأندلس، وقال: "بمجرد سقوط النظام، سيعود كل شخص إلى عمله، ولن يرغب أحد بالاستمرار في  الحرب".
     ساهمت جبهة النصرة بشكل كبير في  تحقيق الانتصار في المعارك الحاسمة ضد قوات الأسد، قال (أبو فؤاد): "الرهان هو تسليم الأسلحة بعد سقوط النظام. من الأفضل في الوقت الحالي التفاهم معهم بدلاً من تركهم ينعزلون في تطرفهم، ورؤيتهم ينقلبون علينا غداً".