الصفحات

الجمعة، 21 كانون الأول، 2012

(الدبلوماسية الدولية تسعى إلى مخرج تفاوضي للأزمة السورية)


صحيفة اللوموند 21/12/2012 بقلم ناتالي نوغايرد Natalie Nougayrède

     هل هي دبلوماسية اليأس؟ يبدو أنه لم يتم التخلي عن السعي إلى حل تفاوضي في سورية، وذلك في الوقت الذي ما زال فيه صوت السلاح هو الصوت الوحيد المسموع ميدانياً. يبدو أن هناك شعوراً بالوضع العاجل بدأ يستولي على الأطراف الدولية، في حين أن الخيارات العسكرية الأخيرة للنظام السوري أظهرت تصعيداً جديداً عبر إطلاق عدة صواريخ سكود والهجمات الجوية المكثفة، دون نسيان الخشية من استخدام الأسلحة الكيميائية التي تراجعت حدتها، نقلاً عن البنتاغون الأمريكي.
     إن تدهور الوضع على الأرض، مع تصاعد قوة المجموعات الجهادية أو الراديكالية، ولاسيما جبهة النصرة المنظمة جداً والمؤلفة من "قدامى" العراق، أدى إلى تزايد عصبية الحكومات الغربية، على الرغم من أنه تمت الإشارة إلى هذه المجموعات منذ الصيف الماضي. 
     يُلاحظ ظهور بعد التحركات الدبلوماسية هنا وهناك. فقد أعلنت تركيا عن خطة للخروج من الأزمة، وتنص هذه الخطة على إبعاد الأسد في شهر شباط 2013، بدون معرفة كيف سيتم ذلك. جاءت هذه الفكرة بعد اللقاء بين رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين في أنقرة في بداية شهر كانون الأول.
     أظهرت التصريحات الأخيرة لنائب الرئيس السوري فاروق الشرع بعض الاختلاف عن الإستراتيجية العسكرية المتصلبة للأسد، وتم اعتبار هذه التصريحات كإشارة إضافية لـ "انقسام" النظام. ولكن هذا النظام ما زال يملك العديد من الوسائل، فقد أكد أحد الدبلوماسيين الأوروبيين قائلاً: "ما زال الأسد يدّخر ثلثي جيشه. ولكن بدون شك، إنه لم يعد يثق بالجيش".
     يبدو أن الاتصالات تتكثف بين الأمريكيين والروس بعد اللقاءات في دبلن وجنيف بين وزيري الخارجية الأمريكي والروسي، وقد علّقت كلينتون بأن البلدين اتفقا على العمل إلى جانب مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية الأخضر الإبراهيمي "من أجل عملية انتقالية سياسية مبنية على ما تم الاتفاق عليه في جنيف بشهر حزيران". لم تحظ الإشارة إلى "وثيقة جنيف" بالإجماع، فقد وصفها معارضو الأسد أنذاك بأنها "خدعة" لأنها وضعت على قدم المساواة كل من النظام ومعارضيه، ولم تنص بشكل واضح على رحيل الرئيس السوري.
     إما أن واشنطن كانت تسعى استئناف الاتصال مع الروس استعداداً للمستقبل، أو أنها تبني حساباتها على أنه يجب التوصل إلى مفاوضات بين بعض أجزاء النظام والإئتلاف الوطني السوري. إذا نظرنا إلى ما هو أبعد من التعليقات العامة حول "السقوط" القادم للأسد، يقول الدبلوماسيون: "هناك شعور بأن النزاع يمكن أن يستمر".
    قال أحد المسؤولين الغربيين: "لقد مضينا شوطاً بعيداً في الخيار العسكري من خلال تقديم بعض عناصر الدعم الإستراتيجية إلى التمرد بشكل غير مباشر منذ الصيف الماضي مثل: إرسال عدد كبير من المستشارين العسكريين لمساعدة المتمردين، وتزويدهم بالمعدات اللوجستية وأجهزة الاتصالات وتوفير المعلومات الاستخباراتية. هذا هو سبب التقدم الذي حققه المتمردون في الفترة الأخيرة". إن هذه النظرة للأحداث تختلف عن تعليقات المتمردين الذين يعتبرون أنهم كانوا يعملون لوحدهم.
     يتحدث الروس عن إخلاء رعاياهم من سورية، ولكنهم لم ينشروا إلا عدداً قليلاً من السفن. وقد اعتبر مصدر غربي أن روسيا هي الأكثر حيرة على الصعيد الدبلوماسي. لقد راهنت موسكو كثيراً على الأسد، ويبدو أن إستراتيجيتهم قد أصابها الوهن. ولكن دورها في العملية الانتقالية التفاوضية المحتملة ما زال أمراً مطلوباً، "إلا إذا كان ذلك متأخراً جداً" نقلاً عن أحد الدبلوماسيين الذي أضاف قائلاً: "إن العقبة الأكبر أمام التوصل إلى اتفاق هي عدم وحدة المعارضة السورية ورفضها التفاوض على أي شيء قبل رحيل الأسد".
     يبدو أن الدبلوماسية الغربية تتأرجح بين قطبين هما: عملية الاعتراف بالإئتلاف الوطني السوري كممثل شرعي للشعب وفكرة أن يحافظ بعض عناصر النظام على سلطة كافية لكي يكونوا طرفاً مُحاوراً.
     إن مرحلة ما بعد الأسد تشغل تفكير الجميع. هناك خطط عديدة على الورق حول "قوة دولية لحفظ الاستقرار"، ولاسيما من قبل الأمم المتحدة. ولكن أحد المصادر في باريس قال: "لا يرغب المجتمع الدولي بنشر قواته لتأمين النقاط الساخنة. إن وسائله محدودة، وهو غير مُستعد لذلك".
     إن وجود قوات أجنبية في سورية في مرحلة ما بعد الأسد، تُهدد بخطر إيقاظ شبح العراق ما بعد عام 2003، أو حتى الأعراض المزمنة للبنان عام 1982، عندما وقعت عمليات التفجير الكبيرة ولاسيما عملية التفجير التي استهدفت القوات الفرنسية.
     هناك عدة أسئلة تطرح نفسها. ما هو التفويض الذي سيُعطى للقوة الدولية؟ هل يريد الإئتلاف الوطني السوري أو الحكومة المستقبلية المؤقتة مثل هذه القوة؟ هل ستتبنى روسيا موقفاً حيادياً إيجابياً بدون حليفها الإقليمي؟ ما هي حسابات إيران؟ يبدو أن المحاولات الدبلوماسية الأخيرة تهدف بشكل خاص إلى محاولة استباق مرحلة ما بعد الأسد، في حين تُتابع الحرب ديناميكيتها الخاصة.