الصفحات

الجمعة، 28 كانون الأول، 2012

(عبد الله، جهادي مُعادي للشيعة في سورية)


صحيفة اللوموند 28/12/2012  بقلم مراسلها الخاص في قرية سلمى بجبل الأكراد لويس روت Lewis Roth

     قال (عبد الله) أنه تخلى عن "شقته وسيارته وزوجته" قبل أن يذهب إلى "لحرب المقدسة"، وهو الذي قام بتعداد ما تخلى عنه بهذا الترتيب. لقد أكد على أن الشقة والسيارة كانتا جديدتين، دون معرفة مصير زوجته. إنه الجهاد الأول بالنسبة لـ (عبد الله) الذي لا يريد إزعاج نفسه بكل ما يمكن أن يُذكّره بـ "الحياة المريحة". وقال لنفسه أن دفع القليل من المال في سورية، لن يكون تبذيراً. كما باع أيضاً محله لبيع العطورات. عندما نسأله عن سبب مجيئه إلى سورية، يكتفي بالقول: "إن كل ما قمت به، كان بسبب التفكير بدموع الأطفال السوريين". لا يبدو عليه مظهر المُقاتل المُحنك، بل مظهر شاب عمره 26 عاماً، وخرج لتوه من مرحلة المراهقة.
     إنه واحد من مئات الجهاديين الأجانب الذين جاؤوا إلى سورية للقتال ضد النظام "الكافر" لبشار الأسد. (عبد الله) رجل حذر جداً، ولا يعطي إلا اسمه، وربما كان اسماً مزيفاً. كما أنه لا يقول اسم  المدينة السعودية التي جاء منها، ولا الطريق الذي عبره للوصول إلى سورية. إذاً، "الله" هو الذي قاد خطاه، ربما عن طريق أنطاكية حتى وصل إلى جبل الأكراد الذي أصبح تحت سيطرة المتمردين بشكل كامل تقريباً. إن الحدود التركية ليست مفتوحة في هذا المكان، ولكن المهربين يعبرونه بسهولة، ولاسيما من تركيا إلى سورية.
      أشار (عبد الله) إلى أنه وصل وحيداً بصفة شخصية، ولم يصل ضمن مجموعة. إنه يتهرّب من الإجابة على أي سؤال محدد، ويرد بشكل عام مستشهداً بآية قرآنية تُثير الريبة بصحتها أحياناً، ولكنها تفرض نفسها على إخوانه السوريين في الدين. بالتأكيد، إن الحافز الأساسي بالنسبة له هو الدين قبل كل شيء. أشار (عبد الله) إلى أن "الرسول قال بأن جيش الإسلام سيعود إلى الأرض في أحد الأيام، وأن هذه العودة ستبدأ في بلاد الشام، ولهذا السبب أنا هنا في سورية". إنه لا يحب الإشارة إلى سورية باسمها الرسمي، لأنه اسم غربي جداً بالنسبة له. إنه يذكر "أرض الحرمين" للإشارة إلى بلده السعودية. إنه شديد التدين، وقادر على اجبار أحد المقاتلين على إطفاء سيجارته بنظرة واحدة، ويعتبرها "حراماً".
     لم يُفكر (عبد الله) إطلاقاً بالذهاب إلى مصر أو تونس أو ليبيا في بداية الثورات العربية التي تابعها بلهفة على التلفزيون. ولكن عندما اندلعت الاضطرابات في سورية، ثارت الحمية في دمائه فوراً. قال (عبد الله): "كنت أعرف عن طريق أصدقائي السوريين في السعودية أن سورية يحكمها نظام معارض للإسلام. إن الذهاب إلى صلاة الفجر أو مجرد امتلاك كتاب حول الإسلام الصحيح ـ أي بالنسبة له الإسلام السني الوهابي بشكله الأكثر تصلباً ـ يُعاقب عليه بالسجن ثلاثة سنوات في السجن. كما لا يحق للفتيات إرتداء الحجاب في المدرسة، كما هو الحال في فرنسا".
     يقول هذا الرجل الشاب عن نفسه بأنه "سلفي"، ويعتبر أن سورية يحكمها "كفار" و"شيعة" يشُبههم بالطائفة العلوية لعائلة الأسد الحاكمة. إن الحرب التي جاء من أجلها هي جهاد ضد الهرطقة الشيعية التي يعتبرها أسوأ بكثير من الإمبريالية الغربية. عندما سألناه ما هو الأسوأ: غزو العراق من قبل جورج بوش أو القمع الذي يمارسه بشار الأسد في سورية، أجاب (عبد الله) بسرعة ودون تردد قائلاً: "بشار هو الأسوأ لأنه ينتحل صفة المسلم، ويسعى إلى تحويل المسلمين السنة إلى المذهب الشيعي. الأمريكيون هم أعداء وكفار، ولكنهم على الأقل لا يسعون إلى تنصيرنا".
     تعكس أراؤه بوضوح الخطاب الحاقد للشيخ العرعور، رجل الدين السوري المقيم في السعودية منذ بداية التمرد، الذي يبث خطاباته المعادية للعلويين على إحدى المحطات الفضائية. تتفق هذه الخطابات مع خطابات السلطة السعودية التي لا تدخر جهدها في دعم التمرد السوري من أجل مواجهة التحالف الإستراتيجي بين نظام دمشق وإيران العدو اللدود لدول الخليج.
     لقد وصل (عبد الله) إلى سورية قبل عدة أشهر، ويدّعي أنه تعلّم استخدام السلاح خلال فترة تدريبية قصيرة مع كتيبة صقور العز، ويتفاخر بأنه شارك في الهجوم الناجح على الموقع الحكومي في برج القصب في بداية شهر أيلول. أكد (عبد الله) أن كتيبته تضم أقل من عشرة مقاتلين أجانب من أصل حوالي مئة مقاتل، دون أن يكون بالإمكان التأكد من ذلك. كما أكد زميله السوري (معتز) أن عدد المقاتلين الأجانب لا تتجاوز نسبته 10 % في مختلف الكتائب الموجودة في جبل الأكراد.
     يبدو أن الليبيين بشكل خاص والمغاربة بشكل عام يشكلون الجزء الأساسي من الجهاديين الدوليين في سورية. لقد وصل أغلبهم اعتباراً من شهر آذار 2012 عندما أصبحت حركة التمرد مسلحة، وذلك بعكس تأكيدات الحكومة السورية التي وصفت التمرد منذ أيامه الأولى كمشروع تقوده "عصابات سلفية مسلحة" جاءت من الخارج بهدف زعزعة استقرارها.
     أكد (أبو برهان)، ضابط منشق ويقود اليوم مجموعة مُسلحة في قرية سلمى، عدم وجود أي مقاتل أجنبي في جبل الأكراد، خلافاً لكل التأكيدات، وقال: "أنا ضد وجود المقاتلين الأجانب. إنهم لا يعرفون البلد، ويأتون بأفكار غريبة عن ثقافتنا. إن ما ينقصنا هو السلاح وليس الرجال". إن بعضهم مُقاتلين مُحنكين ولاسيما القادمين من الشيشان وليبيا والعراق. إنهم يُفضلون القتال في حلب التي تشهد معارك عنيفة داخل المدينة منذ شهر تموز 2012، وتم استخدام بعضهم للقيام بعمليات انتحارية ولاسيما من قبل جبهة النصرة.
     إن (عبد الله) هو داعية إيديولوجي، وقليل الخبرة عسكرياً، ولا يعرف بشكل جدي الأرض والمجتمع السوري. إنه يساهم بشكل أساسي في تشديد راديكالية إخوته في الدين عن طريق خطاب معاد للعلويين بشكل واضح. أما صديقه السوري الجالس بجانبه (معتز) الذي يبدو أنه على طريق  اعتناق "السلفية" بشكل سريع، فلم تكون مواقفه حاسمة بهذا الشكل، وقال: "أعرف أنه هناك علويين انضموا إلى الثورة، وأن بعض السنة يدافعون عن النظام".
     لن يترك (عبد الله) سورية بعد سقوط النظام، بل بعد "تحويل البلد إلى الإسلام الحقيقي" أي إقامة الشريعة الإسلامية. ولكن (معتز) قاطعه قائلاً: "سيترك إخواننا الأجانب سورية عندما يسقط النظام. إن الشعب السوري هو الذي يقرر بحرية ماذا يحصل بعد ذلك". إنها المرة الأولى التي يصمت بها (عبد الله).