الصفحات

الأحد، 23 كانون الأول، 2012

(الصين وسورية وعصر "التحولات")


 صحيفة اللوموند 23/11/2012 بقلم ناتالي نوغايرد Natalie Nougayrède

     لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من التفكير بما قاله أحد أعضاء إدارة أوباما في شهر أيار 2012 بعد انتهاء المفاوضات الدولية الصعبة في بغداد حول الملف النووي الإيراني: "الشرق الأوسط يدعو للإحباط! أما آسيا، فهي مُثيرة للغاية". هل تريد الولايات المتحدة نسيان الشرق الأوسط والاهتمام بآسيا؟ لقد أشارت الصحافة الأمريكية إلى هذا الموضوع، واعتبرت أنه يستحيل أن تتخلى القوة الأمريكية مهما أصبحت نسبيتها عن مسؤولياتها. كان باراك أوباما يريد أن تكون بداية ولايته علامة على "التحول" نحو آسيا من خلال زيارته إلى بوروندي، ولكن إطلاق الصواريخ في غزة ونشر الدبابات في الشرق الأوسط، لحقت به إلى هناك. نعم، إن الشرق الأوسط يدعو للإحباط.
  حصل أمر لم يلفت الإنتباه: في الوقت الذي تستدير فيه الولايات المتحدة نحو آسيا، فإن الصين تستدير نحو الشرق الأوسط. قدمت بكين بتاريخ 1 تشرين الثاني إلى مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية الأخضر الأبراهيمي خطة تتضمن أربع نقاط من أجل حل الأزمة السورية. إن أهمية الأمر لا تكمن في مضمون الخطة التي استعادت الأفكار المتداولة منذ  عدة أشهر (وقف إطلاق النار على مراحل، تعيين ممثلين عن الأطراف المتنازعة لإعداد حكومة انتقالية، الإشارة إلى خطة عنان، المساعدة الإنسانية). إن الأمر المهم هو ظهور خطة صينية من أجل السوريين. إنها ليست خطة روسية ـ صينية، بل خطة صينية.
     يريد نظام بكين أن يُلقي بثقله كلاعب دولي على أزمة يبدو أنها لا تُهدد مصالحه الوطنية بشكل مباشر. إن الصين بعكس روسيا، ليس لديها قواعد عسكرية في سورية، ولا عقود أسلحة مع هذا البلد، ولا مستشارين عسكريين فيه، ولا مواطنين صنيين مغتربين يعيشون في دمشق والمدن الأخرى. إن حرص بكين على مصير بشار الأسد لا يُشبه إطلاقاً الأهمية التي توليها موسكو لهذا الأمر، وتستخدم روسيا هذه الأزمة كـ "ورقة" جيوسياسية في مواجهة الأمريكيين.
     اتخذت الصين فجأة موقفاً أحادياً بعد أن كان يُقال عنها دوماً بأنها "تختبىء" وراء روسيا فيما يتعلق بالكثير من ملفات الأمن الدولي، وأنها تكتفي بالعمل يداً بيد مع نظام بوتين في الأمم المتحدة. يكمن السؤال في معرفة فيما إذا كانت هذه الخطوة الصينية الأحادية، يمكن أن تذهب في الاتجاه الصحيح من وجهة النظر الغربية. لا يوجد جواب أكيد على هذا السؤال. ما زالت سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط تعتمد على ضرورة الاستقرار: يمكن فهم ذلك بسهولة إذا نظرنا إلى حاجات الصين الهائلة من النفط والغاز.
     الأمر الجديد هنا هو أن الصين تريد أن تقوم بدور أكثر وضوحاً، فقد قامت بتعيين أربعة مبعوثين خاصين مُكلفين بالشرق الأوسط، وأشارت إلى أنها تريد أن تصبح عضواً في اللجنة الرباعية التي تعالج الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي. إن خطتها التي طرحتها من أجل السلام في سورية، هي سابقة أولى.
     أشار مسؤول رسمي غربي خبير بالشرق الأوسط بعد عودته مؤخراً من بكين، إلى أن القادة الصينيين ينظرون إلى الأزمة السورية من وجهة نظر سياستهم الداخلية المتعلقة بالاستقرار الوطني. إن "التوجه" الصيني يرتكز على دعامتين: عدم إعطاء أية شرعية للتدخل في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة، وعدم خسارة الرأي العام القومي الصيني ولاسيما جيل الشباب الذي يُعبّر عن رأيه حالما يشعر بظهور ملامح أية إهانة تمس القوة الصينية.
     هل يشعر قادة النظام في بكين بأن معركة الروس "السورية" مصيرها الفشل؟ هل يعتقدون بأن اتخاذ موقف صيني مستقل سيكون له تأثير أفضل على الدول العربية المصدرة للنفط وعلى الرأي العام فيها؟ توصل هذا المسؤول الرسمي الغربي إلى نتيجة واضحة: "تهدف الخطة الصينية إلى إعداد واجهة لإبعاد الأسد". إذاً، يجب متابعة القضية.