الصفحات

الثلاثاء، 11 كانون الأول، 2012

(سورية: انقسام الحلف الأطلسي حول التهديد الكيميائي)


صحيفة اللوموند 11/12/2012  بقلم ناتالي نوغايرد Natalie Nougayrède

     عاد شبح التلاعب بالمعلومات الذي قامت به إدارة جورج بوش لتبرير الحرب على العراق عام 2003، وأصبح يُخيم على العلاقات الأطلسية. لقد ظهر انزعاج حقيقي داخل الحلف الأطلسي منذ حوالي الأسبوع، وبرزت تحليلات مختلفة حول خطر اللجوء إلى السلاح الكيميائي في سورية.
     بدأت إدارة أوباما منذ بداية شهر كانون الأول بنشر معلومات في وسائل الإعلام الأمريكية حول عسكرة جزء من الترسانة الكيميائية السورية، وألمحت إلى أنه لا يمكن استبعاد قيام السلطة السورية بعمل انتحاري في لحظة سقوطها، واعتبرت أن هذه اللحظة أصبحت قريبة. لقد أثارت الإدعاءات الأمريكية الكثير من الأسئلة  وحتى الريبة لدى حلفائها. تساءلت فرنسا وألمانيا وهولندة وبولونيا فيما إذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى جر حلفائها نحو تدخل عسكري في سورية بذريعة تأمين الترسانة النووية، وأحست هذه الدول بأن حقيقة هذا الخطر الداهم باستخدام الأسلحة الكيميائية لم يتم إظهارها بشكل واضح وأكيد.
     قال مسؤول رفيع المستوى لم يكشف عن اسمه في إحدى الدول التي شاركت في التحالف الدولي على العراق: "قمنا سابقاً بشن الحرب على أساس معلومات مزيفة، لن نقوم بذلك مرة أخرى. يجب أن نرى الأدلة". وأشار مصدر دبلوماسي في إخدى الدول المتشككة بالمعلومات الأمريكية إلى أن الجميع يتذكر كلمة كولن باولن في الأمم المتحدة عندما عرض صور الشاحنات وتلك الزجاجة من  أجل إضفاء الشرعية على الحرب على العراق.
     إن الاختلاف الأساسي مع الحالة العراقية هو أنه لا أحد يُشكك بوجود مخزون أسلحة التدمير الشامل في سورية، وأشار وزير الخارجية الفرنسي لوران  فابيوس يوم الأحد 9 كانون الأول إلى وجود ألف طن من المواد الكيميائية موزعة على 31 موقع. ولكن النزاع يكمن في حقيقة ومدلول المعلومات الأمريكية.
      تُذكّر الخلافات الحالية داخل الحلف الأطلسي بالانشقاقات داخل الحلف بخصوص العراق وليبيا. هناك معسكران: يضم المعسكر الأول الذين يدعو للتدخل: الولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا والأمين العام للحلف الأطلسي أندرز فوغ راسموسن. ويضم المعسكر الثاني: ألمانيا وهولندة وبولونيا وبدرجة أقل فرنسا التي تشعر بالقلق من سيناريو على الطريقة العراقية، عندما دخلت القوات المسلحة على أساس معلومات غير مؤكدة.
     ظهرت هذه الخلافات بشكل حاد أثناء الاجتماع المغلق لوزراء خارجية الحلف الأطسي في بروكسل يوم الثلاثاء 4 كانون الأول. لقد استمع  الوزراء ـ كان بعضهم مذهولاً ـ  إلى الكلمة الافتتاحية للأمين العام للحلف الأطلسي الذي اقترح البدء بعملية التخطيط لاحتمال القيام بعملية تستهدف تأمين الأسلحة الكيميائية السورية، وقد أيدته وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون التي أكدت على خطورة الرهان الكيميائي. كما أيده وزيرا الخارجية البريطاني والتركي. أشار بعض الشهود إلى أن وزيري الخارجية الألماني والهولندي كانا "غاضبين"، ويبدو أنهما كانا مقتنعين بوجود مؤامرة. أشار الوزيران الألماني والهولندي إلى أنه في الوقت الذي يجب عليهما فيه المصادقة بالبرلمانين الألماني والهولندي على نشر صواريخ الباتريوت في تركيا، فإنه لا يمكن تصور قيام الحلف الأطلسي بدراسة  التدخل في سورية. ستبدو صواريخ الباتريوت كما لو أنها مقدمة لعمل عسكري خارجي، في حين أن الحلف الأطلسي حرص على إظهار الطابع الدفاعي البحت لهذه الصواريخ.
     تبنى وزير الخارجية الفرنسية لوران فابيوس موقفاً حذراً، لقد وقف إلى جانب المتشككين ولكن بدون مغالاة. لقد أعلن فابيوس في شهر أيلول الماضي بأن الرد سيكون "شاملاُ وصاعقاً" في حال استخدام الأسلحة الكيميائية. لقد اعتبرت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا في الصيف الماضي أن استخدام الأسلحة الكيميائية هو الخط الأحمر الوحيد وليس عدد الضحايا المدنيين في سورية، وحذرت هذه الدول بأن التدخل حينها سيكون أتوماتيكياً.
     هناك العديد من الأسئلة المطروحة جداً في باريس: ما هو العامل الذي سيؤدي إلى البدء بالحرب؟ هل يمكن أن يشمل مفهوم كلمة "استخدام" مرحلة عسكرة الأسلحة الكيميائية والاستعداد لاستخدامها، الأمر الذي يجعل التدخل وقائياً؟ كيف يمكن الاتفاق على صحة المعلومات المتوفرة؟ وما هو دور الحلف الأطلسي؟ ومع أي تفويض؟.
     لا يملك المسؤولون الفرنسيون المعلومات نفسها التي نشرتها واشنطن، وقد  ألمح لوران فابيوس إلى ذلك أمام الصحافة يوم الثلاثاء 4 كانون الأول مشيراً إلى أنه لم يتم التأكد من صحة المعلومات المتعلقة "بتحريك العناصر الكيميائية". أكدت فرنسا أن المعلومات الأمريكية تعتمد على "مصدر وحيد"، وأن ذلك يطرح "مشكلة التأكد من الوقائع". بالإضافة إلى ذلك، تشعر الدبلوماسية الفرنسية بالارتياب من تدخل جديد للحلف الأطلسي في بلد عربي، وقال مصدر مقرّب من هذا الملف: "الحلف الأطلسي ليس الهيئة الملائمة".
     في نهاية الاجتماع المغلق لوزراء خارجية الحلف الأطلسي، تجاهل راسموسن جميع هذه الاعتراضات وقال: "لقد سمعت ما تقولون، ولكن لا تستغربوا إذا رأيتم الخطة مطروحة على الطاولة". لم تعارضه هيلاري كلينتون، ولكنها شعرت بالانزعاج من هذا الأسلوب الفظ غير المجدي لتوحيد الحلفاء. لم يتوصل أعضاء الحلف الأطلسي إلى موقف واحد، ولكن للمرة الأولى بدأ التفكير في عمل عسكري في سورية.