الصفحات

الأحد، 9 كانون الأول، 2012

(توتر في شوارع أنطاكيا)


صحيفة الليبراسيون 26/10/2012  بقلم طارق يلديز Tarik Yildiz، الباحث في مركز الأبحاث الاجتماعية والسياسة في باريس CRESPPA

     يسود التوتر في مدينة  أنطاكية التركية المعروفة بهدوئها وبأنها مثال للتسامح وللعلمانية. تتعايش الكنائس المسيحية واليهودية والجوامع في هذه المنطقة التي توجد فيها القرية الأرمنية الوحيدة في تركيا. يتعايش المؤمنون من مختلف الأديان وغير المؤمنين في هذه المنطقة التي اعتاد سكانها على النزاعات الدينية.
     أدت الحرب في سورية إلى تغيير سلوك السكان في أنطاكية، فقد قامت الحكومة التركية باستقبال اللاجئين السوريين والناشطين الإسلاميين الذين يُثيرون خوف الطوائف الدينية في المدينة مثل: العلويين والمسيحيين والسنة الأتراك واليهود وغيرهم. تنظر هذه الطوائف إلى هؤلاء اللاجئين السوريين والناشطين الذين يتنزهون بجلاليبهم وذقونهم الطويلة على أنهم متعصبون يريدون فرض العامل الديني في الأماكن العامة. إنهم مسلحون أحياناً، ويُظهرون معتقداتهم الدينية، ولكنهم ليسوا سوريين جميعهم. يتزايد عدد الرجال القادمين من الدول العربية أو الإسلامية إلى أنطاكية التي أصبح سكانها مقتنعين بأن هؤلاء الرجال هم جهاديون يهدفون إلى القضاء على الأقليات الدينية وعلى المسلمين المعتدلين في سورية أولاً ثم في تركيا.
     اندلعت بعض المشاجرات منذ وصول اللاجئين إلى مركز المدينة وبعض القرى المجاورة، وتقوم الصحافة بنقل هذه الحوادث التي تؤجج غضب سكان المدينة. لقد رفض مؤخراً بعض اللاجئين دفع أجرة السرفيس، وأكدوا أنه تمت دعوتهم إلى تركيا من قبل رئيس الحكومة. أدى ذلك إلى اندلاع مواجهة عنيفة استدعت تدخل الشرطة. إن مثل هذه الحوادث تُغذي أحاديث السكان الذين لا يتحدثون إلا عن الحرب والخطر السلفي.
     تُمثل المستشفيات مسرحاً لهذه التوترات. يرفض رعايا بعض الدول العربية تلقي المعالجة الطبية من قبل النساء والأطباء العلويين. إن أغلبية سكان أنطالية يتحدثون العربية، الأمر الذي يُسهل تبادل الحديث والشتائم بين اللاجئين وموظفي المستشفيات.
     يظهر هذا التوتر أيضاً في أنطاكيا عن طريق تواجد بعض الدبلوماسيين الأجانب القادمين من دول متورطة في النزاع السوري. يشعر السكان أن مدينتهم أصبحت قاعدة لوجستية للسلفيين ولدبلوماسيي دول الخليج ولاسيما السعوديين والقطريين وبمباركة من الحكومة التركية.
     إن خطر الإنطواء الطائفي في أنطاكية هو خطر حقيقي ناجم عن الأضرار الجانبية للحرب في سورية وسياسة حزب العدالة والتنمية الحاكم. لقد أصبح هذا الخطر جدياً لدرجة أن تجار الأسلحة يعرضون خدماتهم على جميع السكان دون تمييز بين الطوائف أو الحركات السياسية. لقد أدت عمليات التهريب المختلفة إلى تغذية حرب العصابات الكردية واليسار المتطرف خلال فترة طويلة. وهناك إشاعات يصعب التحقق من صحتها حول بداية تسليح بعض الأحياء.
     إذا نظرنا إلى ما هو  أبعد من المسألة الكردية، فإن التشنج الطائفي يمس جميع الطوائف في تركيا. قام بعض السياسيين في تركيا بتركيز الحوار على البعد الطائفي للنزاع السوري، فقد قام رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان على سبيل المثال باتهام زعيم أحد أهم أحزاب المعارضة كمال كيليسدار أوغلو Kemal Kiliçdaroglu (رئيس حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك) بأنه ينتقد سياسته تجاه الأزمة السورية لأسباب دينية. إن كيليسدار أوغلو من أصل علوي، وقام مسؤولو حزب العدالة والتنمية بالتذكير بالقرابة الدينية مع الأسد. لقد ساهمت مثل هذه الملاحظات بإضافة البعد العرقي للانقسامات السياسية في تركيا.
     إن المكانة المتميزة للنظام التركي في الخارج ولاسيما بعد الربيع العربي، تتناقض مع الأخطار الداخلية بانقسام المجتمع. إن علاقات الحكومة التركية مع الأنظمة الملكية العربية في إطار سياستها تجاه سورية، يزيد من حدة خطر التوجهات غير الديموقراطية. كما أن التسلط وعدم احترم الأقليات السياسية والعرقية والدينية يُمثل خطراً لا يُستهان به على استمرار "النموذج التركي". إن ردود الفعل قد تصبح خارجة عن السيطرة وتخلق بعض المصاعب أمام حزب العدالة والتنمية الذي استطاع التقليل من دور الجيش في المجتمع وتطوير البلد بشكل كبير على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي.