الصفحات

الاثنين، 31 كانون الأول، 2012

(الحياة أو الموت على وتيرة المعارك في شوارع حلب)


صحيفة اللوموند 29/12/2012 بقلم مراسلتها الخاصة في حلب فلورانس أوبنا Florence Aubenas

     استغرب أحد المسلحين تحليق إحدى الطائرات فوق حلب، فقد انخفض القصف في الأيام الأخيرة. لماذا؟ هناك عدة تفسيرات: ربما بسبب المعارك الكبيرة التي تُجبر النظام على حشد قواته في دمشق وحماة، أو ربما بسبب الأسلحة المضادة للطائرات التي حصل عليها المتمردون مؤخراً، الأمر الذي لا يُشجّع الطائرات على الإقلاع.
     يعتقد الجميع هنا أن النظام سيسقط، ولكن أحياناً هناك انطباع بأن المعارك ستستمر دهراً، وأحياناً أخرى هناك انطباع بأنها ستنتهي بعد دقيقة واحدة. لقد مضى ستة أشهر على دخول الجيش السوري الحر إلى مدينة حلب، ويسيطر حالياً على أكثر من نصفها.
     قال أحد عمال الكهرباء: "في هذا السوق، تُباع كل مظاهر الغنى الممكنة مثل السجادات والألماس والأثريات القديمة. أنتم في مركز حلب الجميلة، العاصمة الاقتصادية لسورية". لقد انقطع التيار الكهربائي في هذا الحي وفي المدينة بأكملها، ولم يعد هناك شوفاج، ولكن ما زال هناك بعض الماء أحياناً.
     نشاهد من النافذة حائطاً مكتوب عليه: "بشار هو ربّنا". ولكن أحدهم قلل من أهمية هذا الكلام، وأشار إلى أن ذلك لا يعني أن سكان الحي يحبون بشار حقاً، ولكنهم يحاولون تجنب المتاعب. بتاريخ 20 تموز 2012، شاهد سكان الحي دخول المتمردين إلى المدينة مع نوع من الدهشة: من هم هؤلاء الناس الذين جاؤوا من الريف، ويدّعون بأنهم جاؤوا لتحريرهم ببنادقهم القديمة، تحرير سكان حلب الفخورين جداً ببشرتهم البيضاء؟ لقد هرب عامل الكهرباء مثل الكثيرين في حلب، وكان مُقتنعاً بأن ذلك لن يستمر أكثر من أسبوع. لقد أمضى شهرين في مصر، وأنفق خلالهما مدخراته، ثم عاد إلى هذا السوق الصغير الذي لم تعد تعيش فيه إلا سبعة علائلات تحت سيطرة الجيش السوري الحر.
     في الجانب الآخر من خط المواجهة، يُرسل قناصة النظام الرسالة التالية: "إذا عبرتم، سنقتلكم". حاول عامل الكهرباء في إحدى المرات عبور حاجز تفتيش بشكل نظامي، وقال: "نظروا إلي كما لو أنني حيوان، لأنني أعيش في الجانب الآخر. لم أعد واحداً منهم". لهذا السبب قرر التقرّب من المتمردين، وقال: "لدينا هنا كتيبة فعلية، أي أنها لا تسرق".
     ظهر احتجاج بسيط في أحد أبنية حي طارق الباب الهادىء، قال أحد سكان البناء عندما شاهد أحد المتمردين يصعد الدرج: "ماذا جاء يفعل هذا الرجل هنا؟ سيتعرض البناء للقصف بسببه". قال هذا الجندي: "يبتسم الناس أمامنا، ولكن نصف الحي ينتظر عودة بشار".
     اضطرت مجموعة من المعلمين في مدرسة مصطفى العيسى إلى التفاوض طويلاً لرحيل الجنود من المدرسة، وذلك بعد ضمها إلى الثكنة كما هو الحال في أغلب الأحيان. نعم، إن التربية هي إحدى ركائز نظام دمشق، وجميع الكتب المدرسية عليها صورة الرئيس، وكُتب تحتها: "الأطفال سعداء مع بشار". نعم، يطلب بعض المعلمين من طلابهم التبليغ عن آبائهم فيما إذا كانوا يشاهدون محطات تلفزيونية أجنبية على سبيل المثال. نعم، يجب تغيير كل شيء، وحتى الكتب المدرسية. وأكد مدير المدرسة (32 عاماً) قائلاً: "في جميع الأحوال، نحن نحرق الكتب المدرسية". عندما سألناه، هل هذه الكتب سيئة إلى هذه الدرجة؟ انزعج من هذا السؤال وقال: "إن هذه الأسئلة ليست الأسئلة الحقيقية بالنسبة لنا": إن الكتب سيئة بالتأكيد، ولكن لا يتم حرقها لهذا السبب، بل من أجل التدفئة.
     تمت إعادة فتح مدرسة مصطفى العيسى بمبادرة خاصة جمعت حوالي خمسين معلماً في 12 مدرسة. إنهم يعقدون عدة اجتماعات في الأسبوع، ويجب على النساء ارتداء الحجاب لكي يشاركن فيها. قال مُنسّق هذا المشروع: " قام نظام بشار الأسد قبل سنتين بطرد جميع المعلمات المُحجبات، نريد أن نقول لهم اليوم: نحن معكم". قام مُنسق المشروع بتسمية منظمته بـ "جمعية الإحسان  السنية" وقال: "أعرف أنه يُنظر إلينا كإسلاميين".
     طرحت مشكلة التمويل نفسها بسرعة على "جمعية الإحسان السنية" التي حاولت الاتصال مع العديد من المؤسسات والمنظمات غير الحكومية، ولكن الجميع رفض مساعدتها باستثناء جبهة النصرة. لقد عارضت أغلبية المتمردين السوريين جبهة النصرة وتحدّتها لفترة طويلة دفاعاً عن "ثورتهم". ولكن أحد قادة الجيش السوري الحر قال: "في لحظة ما، لم يعد أمامنا خيار آخر. بدأنا بالقتال ببندقية واحدة لكل جنديين، ثم بندقية واحدة لكل عشرة، ولم يعد لدينا ذخيرة. لقد قامت جبهة النصرة بتوزيع المال بسرعة وبمبالغ كبيرة،  وذلك في الوقت الذي لم توافق فيه أية دولة أو مؤسسة على مساعدة المتمردين المنهكين". وأضاف أحد المعلمين قائلاً: "الجديد في الأمر هو أن جبهة النصرة لا تطبق هذه الإستراتيجية في المجال العسكري فقط، بل تُطبقها أيضاً داخل المجتمع المدني بأكمله". أشارت إحدى النساء إلى أنها تريد لاحقاً دولة "لها علاقة مع الله" دون أن تعرف بالضبط ماهية هذه العلاقة.
     حاول (مصطفى ـ مترجم للغة الإنكليزيه) قبل عدة أشهر إطلاق "نداء من أجل حلب"، واتصل مع عشرات المنظمات الدولية غير الحكومية عبر الأنترنت، ولكن دون جدوى باستثناء مؤسسة تشيكية صغيرة اسمها (People in need) التي قامت بإرسال مساعدة قدرها خمسة آلاف دولار وخمسين  طناً من الطحين الألماني. أشار مصطفى إلى أن هذه المؤسسة التشيكية هي المنظمة الدولية الوحيدة التي لديها فرع في حلب.
     تم استئناف القصف على "حي الشباب"، وهو برنامج سكني بناه النظام من أجل مسؤوليه وأصحاب الامتيازات. ولكن سكانه هربوا منه بعد بدء المعارك، وأقام اللاجئون فيه. لم يبق من سكانه الأوائل إلا عائلة واحدة، ولا أحد يزورها. يمكن مشاهدتها فقط عندما تصل الطائرات المقاتلة، لأنه في هذه اللحظة، تخرج يد من النافذة وتُلوّح بعلم أبيض.  
     أشار أحد السكان إلى أنه هرب في البداية مع عائلته ولجأ إلى أقاربه في مدينة إدلب، وأضاف أن هذه المدينة تتعرض للقصف أيضاً لدرجة أن المتمردين يضطرون أحياناً للانسحاب، ولكن ذلك لا يحصل في حلب. وقال: "ينتشر جنود الجيش النظامي في الشوارع، ويدخلون البيوت التي يستطيعون دخولها بشكل عشوائي، ويقتلون الناس، وأحياناً يقتلونهم بالسكين". يستمر ذلك عدة ساعات ثم يعود الجيش السوري الحر. أكد هذا الرجل أنه شاهد مثل هذا الهجوم ثلاثة مرات خلال شهر واحد. لا أحد يتحدث عن ذلك، ولا  أحد يعرف ما يحصل هناك: لا يستطيع الصحفيون الدخول إلى هذه المنطقة. أشار هذا الرجل إلى أن الوضع أفضل في حي صلاح الدين، وأن حوالي عشرين عائلة عادت إلى هذا الحي، وأن عدة عائلات أخرى أعلنت بأنها ستعود أيضاً.