الصفحات

الأربعاء، 19 كانون الأول، 2012

(سورية: حدود عدم التدخل)


صحيفة الفيغارو 19/12/2012  بقلم بيير روسلان Pierre Rousselin

     إن قرار الولايات المتحدة بإضافة اسم جبهة النصرة إلى قائمة المنظمات الإرهابية، كان مبرراً، وهناك علاقات واضحة بين هذه المنظمة وتنظيم القاعدة. ولكن هذا القرار يدل على وجود المزيد من المشاكل المطروحة في سورية، أكثر مما يدل على بداية الحل.
     حققت هذه المجموعة انتصارات عسكرية هامة في شمال سورية ضد قوات نظام الأسد، وهي تعزز تواجدها مع استمرار الحرب الأهلية. يجب إدانة الأساليب العنيفة لهذه المجموعة وأهدافها المتعلقة بأسلمة سورية. من الأفضل أن يُقال ذلك بوضوح، وأن تبتعد الدول الغربية عن مثل هذه المجموعات. يجب أن يكون هذا الإجراء فعالاً. الأمر الغريب هو أن الولايات المتحدة تقوم حالياً بإعداد قائمة سوداء للمجموعات المتمردة قبل أن تقوم بإعداد قائمة للمجموعات التي يجب دعمها.
     لقد خسرت واشنطن وحلفاؤها السيطرة المباشرة على التمرد من خلال إفساح المجال أمام السعودية وقطر لتسليح المتمردين. تستطيع هاتان الدولتان الحصول على نفوذ كبير جداً لدى ممثلي سورية الجديدة من خلال دعم المجموعات التي تدافع عن مفهومهما المتشدد للإسلام. لقد اعترفت فرنسا أولاً ثم الكثير من الدول الغربية بالإئتلاف الوطني السوري، ولكن هذا الاعتراف يمثل دعماً سياسياً بالدرجة الأولى، لأن هذا الائتلاف لا يملك للأسف أي نفوذ حقيقي على المقاتلين ميدانياً.
     ما هي النتائج الملموسة الناجمة عن توجيه أصابع الاتهام إلى الجهاديين في جبهة النصرة التي ليست لديها أي اتصال مع الولايات المتحدة؟ هناك خطر بأن يؤدي ذلك إلى إعطاء هذه المجموعة المزيد من الدعاية، وربما يُثير ذلك ردة فعل تضامنية من قبل بقية مكونات التمرد، بالإضافة إلى زيادة راديكالية الإخوان المسلمين الذين يهيمنون على الإئتلاف الوطني السوري عبر المقاعد الأربعين من أصل 120 مقعداً داخل الإئتلاف. بالتأكيد، إن مثل هذه الاتهامات، لن تمنع السعودية وقطر من تسليح الجهاديين.
     لن يكون هناك معنى لعملية فرز المجموعات المتمردة، إلا إذا كانت الولايات المتحدة تستعد للتدخل بشكل أكبر، حتى ولو كان ذلك رغماً عنها. إن اعتراف واشنطن السياسي بالمعارضة السورية سيكون مرحلة تمهيدية لتقديم مساعدات مالية مباشرة وربما عسكرية. ولكن هذا الأمر يستوجب أن تقوم إدارة أوباما باتخاذ قرار سياسي هام بعد حسم الجدال الداخلي بين مؤيدي التدخل وأولئك الذين يفضلون الانتظار. يتذكر أنصار التدخل ما حصل في أفغانستان خلال سنوات الثمانينيات، عندما قام رولاند ريغان بتكليف أجهزة الاستخبارات الباكستانية بإيصال المساعدات إلى المجاهدين الذين يقاتلون ضد الاحتلال السوفييتي. أدى ذلك إلى وصول الطالبان إلى السلطة وتصاعد قوة تنظيم القاعدة ثم إلى أحداث 11 أيلول. هل ستقوم قطر والسعودية في سورية بالدور الذي قامت به الباكستان سابقاً في أفغانستان؟
     استبعد الأمريكيون تكرار ما حصل في ليبيا. إن القيام بعملية عسكرية سيكون مغامرة خطيرة في ظل السياق الإقليمي السوري ونتائج سقوط القذافي الذي لا يُمثل نموذجاً يُحتذى به. كان الأمريكيون يريدون أن يسقط بشار الأسد قبل دخولهم في المعمعة، ولكنهم تفاجؤوا بقدرته على المقاومة.
     بدأت الحرب الأهلية تتجه الآن ضد مصلحة النظام الذي يفقد تدريجياً سيطرته على البلد، ونشاهد اليوم بوادر مرحلة جديدة من النزاع، وستكون هذه المرحلة الجديدة أكثر دموية مما حصل منذ سنتنين تقريباً وحتى الآن. من الممكن ألا تقتصر مرحلة المواجهة الجديدة على المعركة بين أنصار الأسد والتمرد، وربما سنشاهد معركة فيها ثلاثة أطراف هم: الإسلاميون الراديكاليون والإسلاميزن السنة المعتدلون وآخر من تبقى من أنصار النظام المعتمدين على 2.5 مليون علوي.
     إن تقديم دعم بسيط إلى تمرد شعبي ضد نظام دكتاتوري، يختلف كثيراً عن الدخول بشكل واضح بهذه الحرب الأهلية الإثنية التي ارتُكبت فيها بعض الأعمال الوحشية في كل معسكر. إذا استمرالانهيار التدريجي للنظام، لن يكون هناك سلطة من أجل نقلها في إطار العملية الانتقالية، وذلك في حال القبول بأنه يمكن تنظيم مثل هذه العملية الانتقالية بمساعدة روسية لا يمكن الاستغناء عنها.
     تتناقش واشنطن مع حلفائها حول المأزق الذي أدت إليه الإجراءات المؤقتة وغير الناجحة التي تم تبنيها منذ بداية الأزمة. كلما مرّ الوقت، كلما تحولت سورية إلى حمام دم، وكلما أصبحت حدود عدم التدخل واضحة.