الصفحات

الأحد، 16 كانون الأول، 2012

(الجهاد في سورية أكثر سهولة من الجهاد في أفغانستان)


صحيفة اللوموند 15/11/2012 بقلم مراسلها في إربد بشمال الأردن بنجامان بارت Benjamin Barthe

     عندما تلقى محمد الدلقموني الذي يعمل ميكانيكياً في إربد اتصالاً من شقيقه يطلب فيه أن يسامحه على أخطائه، أدرك أنه لن يرى شقيقه حياً بعد الآن. وفي صباح اليوم التالي 12 تشرين الثاني، قام ناصر الدلقموني (43 عاماً) بارتكاب عملية انتحارية ضد قاعدة للجيش السوري في درعا. أشار محمد الدلقموني إلى أن تلفزيون الدنيا المؤيد للحكومة السورية أعلن عن مقتل 14 جندياً في هذه العملية، وقال: "نحن جميعاً فخورون بما أنجزه. سأقتدي بمثاله إنشاء الله. إن الجهاد في سورية  أكثر سهولة من الجهاد في أفغانستان البعيدة جداً عنا".
     أيقظت الحرب الأهلية السورية الشبكات الجهادية الأردنية. لقد شهدت هذه الحركة أزمة داخلية بعد انفجارات شهر تشرين الثاني 2005 التي أدت إلى مقتل ستين شخصاً في ثلاثة فنادق بالعاصمة الأردنية، وبعد وفاة العقل المفكر لهذه الهجمات المدمرة أبو مصعب الزرقاوي  ـ زعيم القاعدة في العراق ـ الذي تمت تصفيته في قصف أمريكي عام 2006. لقد تمزق تلامذة أبو محمد المقدسي، أحد المنظرين الأساسيين للجهاد والمسجون حالياً في الأردن، حول خليفة الزرقاوي وعلى الفائدة من القيام بعمليات تفجير داخل بلدهم.
     لقد كان التمرد السوري وتسليحه المتزايد بسبب العنف الكبير للقمع الذي تقوم به دمشق، عاملاً في تحويل الانتباه عن الخصومات داخل الحركة الجهادية الأردنية. تسلل عشرات الشباب الأردنيين إلى سورية باسم الجهاد، وانضم أغلبهم إلى صفوف جبهة النصرة المسؤولة عن أغلب العمليات الانتحارية ضد القوات الأمنية السورية. يُقدّر عدد الجهاديين الأردنيين بـ 250، ولكن من المستحيل التأكد من هذا الرقم. قال المحلل السياسي مروان شحادة الذي كان سابقاً عضواً في الحركة الجهادية: "ربما يكون هذا العدد  أقل. ولكن في جميع الحالات، إنهم متواجدين بشكل كبير. لم يكن يتجاوز عدد الأردنيين الجهاديين الـ 350 ضمن تنظيم القاعدة في العراق عندما كانت شخصية الزرقاوي تُشكل عاملاً قوياً في جذب  المقاتلين".
     تقوم السلطات الأردنية باتباع سياسة العصا والجزرة لمواجهة هذه الظاهرة. في نهاية شهر تشرين الأول، قام الملك عبد الله بالعفو عن خمس جهاديين كانوا مسجونين بسبب ممارستهم نشاطات إرهابية في العراق وأفغانستان. ولكن بعد عدة أيام، تم القبض على حوالي عشرة جهاديين في منازلهم، وكان بعضهم قد عاد من سورية. تم تقديم هؤلاء الجهاديين على أنهم عملاء لتنظيم القاعدة، وتم اتهامهم بتدبير عمليات تفجير ضد المراكز التجارية في المملكة. قال مروان شحادة: "إنه اتهام وهمي. لا يستطيع الملك أمام حلفائه الغربيين أن يسمح بتحول الأردن إلى قاعدة لإطلاق الأعمال الجهادية. ولكن في الوقت نفسه، يجب أن يحرص على عدم إشعال الوضع السياسي الداخلي. ما زال الجميع يتذكر تفجيرات عام 2005".
     إن العقل المُفكر للجهاديين المتطوعين من أجل الجهاد في سورية هو الشيخ  الستيني أبو محمد الطحاوي الذي دخل السجن عدة مرات. يقوم الطحاوي باستقبال ضيوفه في منزل ابنته في مخيم اللاجئين الفلسطينيين بالبقعة قرب عمّان. لقد قُتِل زوج ابنته في سورية أثناء الهجوم الانتحاري الذي قام به ناصر الدلقموني. كان الطحاوي قد نشر في شهر أيار بياناً لدعم جبهة النصرة، وأعلن فيه أنه من واجب كل مسلم  الذهاب لمحاربة "النصيريين" وهو الإسم الآخر للعلويين. يعتبر الراديكاليون السنة الذين يعتمدون غالباً على الفتوى التي أصدرها عالم الدين ابن تيمية في القرن الرابع عشر التي شبّه فيها أعضاء هذه الطائفة بالشيعة، واعتبرهم أسوأ الكفار. قال الطحاوي الذي قاتل في أفغانستان أثناء الغزو السوفييتي: "نحن نريد إسقاط هذا النظام الكافر وإقامة الخلافة". يعتقد الطحاوي في داخله أن التمرد ضد النظام السوري جزء من كفاح أوسع ضد الشيعة وإيران في المنطقة، وقال: "يريد الصفويون السيطرة على سورية كما سيطروا على العراق. إن سقوط بشار الأسد سيُعزز تصميم المجاهدين في العراق إنشاء الله". ومن المعروف أن الصفويين هم العائلة التي حكمت بلاد فارس من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر، وهذه التسمية تعبر عن نظرة الاحتقار للنظام في طهران.
     تتوافق هذه النظرة الطائفية للأزمة السورية مع الدعاية الإعلامية لدمشق المُقتنعة بأنها هدف لمؤامرة من قبل الممالك السنية في الخليج وحلفائها الإسلاميين على الأرض. تصطدم هذه النظرة الطائفية بتصورات أغلب الأحزاب المعارضة للأسد التي تُعرّف معركتها بتعابير الحقوق وليس بالإيمان، حتى ولو كان بعضهم مثل الإخوان المسلمين يتطلع إلى دولة أكثر تديناً مما هي عليه الدكتاتورية البعثية. إن هذه النظرة الطائفية تُغذي التوجه الطائفي البطيء للأزمة السورية، قال الطحاوي ساخطاً: "هذا التوجه الطائفي لا يهمني. سنتابع المعركة لتحقيق أهدافنا حتى بعد سقوط الطاغية، سواء باللسان أو حتى بالأسنان إذا احتاج الأمر".
     لم يستغرب (أبو عبد الله)، رئيس إحدى الكتائب المتمردة السورية الذي ذهب إلى الأردن لمعالجة جراحه في مدينة الرمثا، من كلام الطحاوي. فقد رافق (أبو عبد الله) رجال جبهة النصرة في درعا، وقال: "إنهم يريدون الخلافة، في حين أننا نريد دولة إسلامية معتدلة. إنهم يريدون تهميش الأقليات المسيحية والعلوية، ونحن نرفض ذلك". هل تنتظرون مواجهة معهم بعد سقوط النظام السوري؟ أجاب (أبو عبد الله): "نعم، ولكننا لسنا خائفين منهم. إن قوة نيراننا أكثر بعشرة مرات من نيرانهم".