الصفحات

الأحد، 9 كانون الأول، 2012

(في قرية قدين السورية، التعايش الحرج بين إحدى الطوائف العلوية والمتمردين)


صحيفة اللوموند 17/11/2012  بقلم مراسلها الخاص في جبل الأكراد لويس روث Luois Roth

     إن قرية قدين Kdin مثل بقية القرى في جبل الأكراد، قرية  فقيرة تعتمد على الزراعة، وتعيش بدون كهرباء منذ سقوط هذه المنطقة بيد الجيش السوري الحر منذ فصل الربيع. ولكن هذه القرية تختلف عن بقية القرى المحيطة بها بأن نساءها لا يرتدين الحجاب، وأن رجال إلتزموا الصمت. إنها قرية مُرشدية، وهي طائفة منشقة عن الطائفة العلوية. يعتبر السنة في سورية أن المرشديين يشبهون العلويين على الرغم من أن العلاقات كانت متوترة بينهما في الماضي.
     لم يهرب سكان قرية قدين بعد وصول المتمردين إلى القرية، وذلك بعكس القرى العلوية التي دخلها الجيش السوري الحر. واستمر سكان القرية بزراعة التبغ والتفاح والرمان. إن مصير سكان هذه القرية يمثل امتحاناً هاماً لقدرة المتمردين على التعامل مع الأقليات المُعتبرة بأنها مقرّبة من النظام مثل العلويين والمسيحيين والمرشديين والدروز. قال أحد سكان قرية مجدل كيخيا Majdla khikia السنية القريبة من قرية قدين: "المرشديون مثل إخوتنا. لقد تعاملنا معهم دوماً، نشتري التبغ منهم، وهم يشترون الزيتون منا".
     يبدو ظاهرياً أن الأمور تسير على ما يُرام بين الثوار وسكان قرية قدين، ويقول سكانها بأدب للصحفيين الأجانب المارّين في قريتهم: "كل شيء على ما يُرام هنا! لا نريد مشاكل. يجب أن تنسونا! إرحلوا."
     وافق أحد سكان القرية أن يتحدث إلينا "بصفته شخصية" لعدة دقائق، أطلق على نفسه اسم (أبو أسد)، هو يعمل معلماً، ولديه شارب على الطريقة البعثية، وليس لديه لحية على الطريقة السنية. قال أبو أسد: "لسنا مع النظام ولسنا مع المتمردين. نحن مع الدولة السورية، ولسنا مع هذا الشخص أو ذاك". أثار هذا الحذر سخرية الثوار، وقال أحدهم: "ينتظر المرشدية معرفة من سينتصر، وفي النهاية سيقفون بجانب المنتصر".
     بانتظار انتصار أحد الطرفين،  يحاول الطرفان كسب هذه الطائفة الصغيرة إلى جانبه. فقد أفرج الجيش السوري الحر عن 11 جندياً مرشدياً تم أسرهم أثناء معركة الحفة في شهر حزيران، كما وافق الجيش السوري الحر على شروط سكان قرية قدين الذين سمحوا له بعبور القرية ولكن بدون الإقامة فيها من أجل مهاجمة المواقع الحكومية. وكان جيش النظام قد وافق قبل عدة أشهر على الشروط نفسها. سمح هذا الموقف الحيادي للموظفين الحكوميين في قرية قدين باستمرار حصولهم على رواتبهم حتى ولو لم يستطيعوا الذهاب إلى عملهم كما هو الحال بالنسبة لأبو أسد الذي يُعلّم في حلب. بشكل عام، تتوقف الدولة عن صرف رواتب موظفيها الذين يبقون في المناطق المحتلة من قبل الجيش السوري الحر.
     أشار أبو أسد إلى أن عدد سكان قرية قدين يبلغ حوالي ألف شخص منهم 200 موظف حكومي على الأقل. وقال (أبو سامي) أحد سكان قرية مجدل كيخيا السنية المجاورة: "نحن على العكس، لا نستطيع الدخول في الوظائف الحكومية. وإذا حصل ذلك، يجب دفع رشوة كبيرة". كان أبو سامي يتحدث عن سكان قرية قدين كأنهم "إخوة"، ولكنه لم يُخف نيته بعد الثورة باسترداد أراضي جده التي تم توزيعها على المرشديين أثناء الإصلاح الزراعي الذي قام به حافظ الأسد باسم الإشتراكية البعثية.
     أبو أسد هو رئيس خلية حزب البعث، ولا تختلف نظرته للأحداث في سورية عن نظرة النظام، وقال: "إنه حادث أمني صغير قامت بتدبيره قوى أجنبية تريد زعزعة استقرار سورية. يمر الحل عبر الحوار، وليس عبر العنف.". إنه يقصد بذلك التمرد المسلح بشكل أساسي، ولا يقصد النظام القائم. وأضاف: "يجب أن يكون هناك حكومة وأن تدافع عن الشعب، أليس كذلك؟".
     قبل أن أغادر القرية، طلب مني أبو أسد أن أنقل طلباً إلى رؤساء الجيش السوري الحر في قرية سلمى الواقعة على بعد أقل من عشرة كيلومترات، وقال: "هل تستطيعون أن تطلبوا منهم الإفراج عن شاب من قريتنا، تم خطفه في بداية شهر تشرين الأول، فيما إذا كان الجيش السوري الحر هو الذي اختطفه؟ اسمه أيمن طويط Ayman Twete. نحن مستعدون لدفع فدية. ولكن لا أستطيع الذهاب إلى قرية سلمى شخصياً، فمن الممكن أن أتعرض للخطف".
     إن التوافق الطائفي في سورية ما بعد الأسد، ليس مضموناً سلفاً.