الصفحات

الأحد، 16 كانون الأول، 2012

(سورية: "نحن العلويين سنُقتل مرتين")


  صحيفة الليبراسيون بتاريخ 29/9/2012 بقلم هالة قضماني

     تُزين صور بشار الأسد مدن اللاذقية وجبلة وبانياس وطرطوس. أكد (كمال) أحد الأطباء في هذه المدن أن "طرطوس هي موناكو!" ـ وهو يعرف المدينتين ـ . يعيش المسيحيون والعلويون وحتى السنة في هذه المدن، أي أن الموزاييك السوري بأكلمه مُمثّل فيها. إن زوار هذه المدن يشعرون بالدهشة والاستغراب أو حتى بالسخط من التناقض بين ما شاهدوه على الأرض وبين ما تنقله وسائل الإعلام الدولية حول الأحداث في سورية، ويتبنى أغلبهم وجهة النظر المحلية ويدينون "الدعاية الكاذبة" و"المؤامرة" ضد سورية. لقد شاهدوا "سورية السعيدة" والمستقرة والآمنة، سورية بمواطنيها الذين "يحبون الأسد" والفخورين بإنجازات "جيشهم العربي السوري" الذي يطارد "الإرهابيين" وهو على وشك الإنتصار عليهم.
     إن "جماعة الساحل" كما يُطلق عليهم في سورية، هم سكان معقل نظام بشار الأسد، يعتقدون بأن نهاية المعركة قريبة ومؤكدة. تقول الشعارات المكتوبة على الجدران أو على السيارات رباعية الدفع للشبيحة الذين يشعرون بأنهم بين أهلهم: "انتهينا! المستقبل سيكون أفضل". ولكن وراء هذا الزهو بالنصر، لم يعد بالإمكان إخفاء أن الحرب ضد "الإرهابيين المتعاملين مع إسرائيل" قد ازدات عنفاً في الأسابيع الأخيرة بحلب ودمشق حماة وحمص، وأنها أصبحت قاسية ومُكلفة. إن صور "الشهداء" باللباس النظامي للحرس الجمهوري أو للأجهزة الأمنية مُعلّقة على جدران القرى أو تُنشر على صفحات الفيسبوك المحلية. كما تم تحديد مواعيد للسكان لكي يشاركوا في جنازات "أبطال الوطن" التي تحظى بتغطية إعلامية واسعة من وسائل الإعلام الرسمية.
     إنها الفرصة لتحمل الشدائد ورص الصفوف حول الكفاح من أجل بقاء النظام الذي أصبح بالنسبة للعلويين مرادفاً للكفاح من أجل بقائهم على قيد الحياة. أكدت (سعاد) على الهاتف: "إنهم يريدون تصفيتنا!"، وذلك بعد أن زارت عائلتها في جبلة وعادت إلى أبو ظبي مكان عمل زوجها. وقالت أنهم: "مرتزقة سلفيون يعلمون لحساب السعودية وقطر، وتُرشدهم نداءات الشيوخ السنة ضد النصيرية". ثم أشارت إلى الغارات التي قام بها الجيش السوري الحر على القرى العلوية أو الكمائن في القرى المحيطة باللاذقية. لقد ازداد عدد هذه الهجمات التي أكدتها مجموعات الجيش السوري الحر، وذلك "انتقاماً" لقيام الجيش بإطلاق النار انطلاقاً من هذه القرى. كما انتشرت بشكل واسع الشائعات المتعلقة بالمجازر وتصفية الحسابات.
     لم يعد هناك بالنسبة للبعض أي مكان للتحفظ والتردد في دعم معركة بشار الأسد. كان شقيق (سعاد) "يتعاطف مع الثورة في البداية"، ولكن موقفه تغيّر منذ عدة أشهر بسبب "مقتل ثلاثة من أقرب أصدقائه في الأجهزة الأمنية بعمليات انتقامية بحتة". تتزايد القناعة لدى العلويين بأنهم مستهدفون بسبب ديانتهم وليس بسبب تأييدهم للنظام. يعترف (محمد) أحد التجار السنة في اللاذقية عبر SKYPE قائلاً: "بغض النظر عن كوني ترعرعت في اللاذقية، فقد تربيت في جو طائفي لأن العلويين يفكرون دوماً بهذا الشكل. إنهم يسيطرون على جميع المناصب الإدارية ويمارسون التمييز الطائفي بشكل علني منذ حقبة حافظ الأسد. إن موقفنا هو رد فعل على طائفيتهم. بالنسبة لنا، إن النزاع حالياً هو نزاع النظام ضد الثورة، ولكن بالنسبة لهم، هو نزاع العلويين ضد السنة".
     هناك اتهامات متبادلة وتدفع نحو مواجهة طائفية يعتبرها الجميع حتمية حتى ولو قالوا بأنهم يتأسفون على ذلك. تتفاقم حدة الانتماء الطائفي التي تُحرك الطرفين، وتتحول إلى خوف متزايد  أكثر فأكثر لدى الأقلية العلوية. لقد استبق النظام هذا الخوف وحافظ عليه منذ عدة أشهر من خلال توزيع السلاح على كل منزل وقرية في المنطقة الساحلية. قالت (سعاد): "لقد رفض أفراد عائلتي منذ فترة طويلة هذا السلاح، ولكنهم وافقوا مؤخراً على قبول بعض بنادق الكلاشينكوف في المنزل". وأضافت سعاد أن عائلتها لم تكن معجبة إطلاقاً بعائلة الأسد.
     تزايدت الضغوط في الأسابيع الأخيرة بسبب استدعاء عناصر الإحتياط في الجيش، كما أن هذا الاستدعاء مُوجّه بشكل خاص إلى المسيحيين والعلويين. أشار (جرجس) الذي وصل إلى فرنسا مؤخراً إلى أن المسيحيين الذين تبلغ نسبتهم 20 % من سكان منطقة طرطوس، "بدؤوا بتهريب أبنائهم إلى لبنان". أدى هذا الهروب إلى بعض التوتر داخل معقل النظام، وهذا ما ظهر على صفحة الفيسبوك في بانياس: "في الوقت الذي يصطف فيه الشباب الفقراء أمام مكاتب التجنيد لجيش الوطن، فإن الشباب الأغنياء يصطفون أمام قسم الهجرة والجوازات لمغادرة الوطن!". إن (رامي ـ 32 عاماً)، أحد هؤلاء الأغنياء الذين وصلوا إلى دبي قبل عدة  أيام،  يتحدر من إحدى العلائلات العلوية الكبيرة في جبلة. ولكن رامي ينفي هروبه من سورية ويقول أنه جاء إلى دبي لمتابعة بعض المعاملات المصرفية لشركته التجارية في سورية. لم يُحدد (رامي تاريخ عودته إلى سورية ولاسيما بعد استدعاء شقيقه الذي أنهى مؤخراً دراسته في جامعة اللاذقية إلى الخدمة العسكرية).
     يتزايد قلق النظام أكثر فأكثر من نزيف الشباب العلويين، وأكد (محمد) أن "النظام بدأ بتزوير عدد القتلى ويقوم أحياناً بإخفاء موتهم عن عائلاتهم وخاصة عندما يكونون من الشبيحة". لقد بدأ بعض العلويين بالتذمر من النظام الذي أوصلهم إلى هذا الوضع، ولاسيما عندما يخسرون الرجال. وقال رامي متحسراً: "نحن العلويين، سنُقتل مرتين. المرة الأولى من أجل الدفاع عن النظام، والمرة الثانية لأن السنة سينتقمون منا عندما يسقط النظام!".