الصفحات

الأحد، 16 كانون الأول، 2012

(رهانات التقسيم الطائفي)


صحيفة الليبراسيون 29/9/2012 بقلم جان بيير بيران Jean-Pierre Perrin

     هل سيكون هناك دولة علوية في سورية مستقبلاً؟ يطرح هذا السؤال نفسه أكثر فأكثر على العائلات العلوية التي بدأت ترحل إلى ما يسميه الخبراء "بالمنطقة العلوية". تاريخياً، تمتد هذه المنطقة بشكل تقريبي من الحدود اللبنانية إلى الحدود التركية، وتضم بعد المدن الساحلية مثل اللاذقية وبانياس وطرطوس بالإضافة إلى الجبل الذي يحمل إسمها.
     قال الباحث فابريس بالانش Fabrice Balanche، مدير مجموعة الأبحاث والدراسات حول البحر المتوسط والشرق الأوسط: "هناك عملية تكوين لمنطقة علوية. في بعض المناطق مثل دمشق ومنطقتها، التي يتواجد فيها ما بين 600.000 و900.000 علوي، بدأ العلويون يتركون أحياءهم للجوء إلى المنطقة العلوية. بشكل عام، تغادر النساء مع الأطفال لأسباب أمنية، ويبقى الرجال لكي يحافظوا على عملهم. وفي بعض الأحيان، تغادر العائلة بأكملها".
     من الناحية الرسمية، إن سيناريو إنشاء دولة علوية ليس مطروحاً على جدول الأعمال. وإذا تم إنشاء المنطقة العلوية، فإن ذلك سيكون بعد هزيمة بشار الأسد، باعتباره طوق النجاة الأخير للعلويين. وقال فابريس بالانش: "من الممكن التفكير بأنه بعد عدة سنوات من الحرب الأهلية الدامية، سيصبح ذلك أمراً واقعاً، وأن السنة المتمردين والسنة المؤيديون للنظام سيتصالحون على حساب العلويين، وسيقول السنة المؤيدون للنظام أنهم كانوا مجبرين على الخضوع لمطالب العلويين".
     بالنسبة للزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط الذي يعرف جيداً النظام السوري، لقد بدأ النظام بالإعداد لتنفيذ هذا المشروع وقال: "ولهذا السبب يريد أولاً تدمير جميع المدن السنية". وفي المحصلة، سيتم إنشاء "ممر إستراتيجي" يصل بين ميناء طرطوس وسهل البقاع الذي تسكنه أغلبية شيعية تحت سيطرة (حزب الله). ومن هنا تأتي أهمية موقع مدينة حمص، ثلثي سكانها من السنة، الذي سيقطع هذا الامتداد الإقليمي بين العلويين والشيعة. واعتبر الزعيم الدرزي أنه هذا هو السبب الذي يفسر العنف الدامي للقوات السورية في محاولتها لاستعادة مدينة حمص من المتمردين في فصل الشتاء الماضي.
     تعود فكرة الدولة العلوية إلى الانتداب الفرنسي الذي أراد مواجهة المعارضة القومية العربية من خلال تقسيم سورية والمراهنة على العلويين من خلال تخصيص أرض لهم. في شهر شباط 1933، انعقد مؤتمر للزعماء العلويين، وطالب بالانفصال عن سورية في رسالة موجهة إلى المفوض السامي، وقام بالتوقيع عليها 79 شخصاً. تجدر الإشارة إلى أن اسم جد بشار الأسد كان من بين الموقعين على هذه الرسالة. ولكن كان هناك زعماء علويون آخرون مع الوحدة، وحمل بعضهم السلاح ضد الفرنسيين.
     إن إمكانية بقاء مثل هذا الكيان على قيد الحياة غير مؤكدة. من الممكن أن يتم تسهيل قيامها بعد اكتشاف آبار غازية تحت البحر على الحدود البحرية التركية، ومن الممكن أن تكون هذه الاكتشافات هامة. سيعني ذلك بدون شك نهاية بشار الأسد لأنه كما قال الباحث السياسي خطار أبو دياب: "سيخسر احتكاره للعلويين.  لقد قام والده حافظ الأسد باقصاء زعماء الطائفة والعشيرة، واستبدلهم بالضباط السنة. ولكن مع مرور الوقت، من الممكن أن يعودوا من جديد أو يعود أحفادهم بدلاً عنهم". وأضاف فابريس بالانش قائلاً: " إن جميع العائلات العلوية الكبيرة تريد سقوط بشار الأسد لكي تأخذ مكانه. لكي يبقى بشار الأسد في السلطة، يجب أن ترغب موسكو وطهران بالحفاظ عليه لإدارة العوائد الإستراتيجية الناجمة عن دعم هاتين العاصمتين لهذا المشروع".
     من الصعب تصور كيان علوي بدون الدعم الدولي من قبل روسيا وإيران، قال فابريس بالانش: "تريد روسيا الحفاظ على قاعدتها في طرطوس، وتحتاج إيران إلى المحافظة على موطىء قدم لها في البحر المتوسط. وتعرف الدولتان أن الضربة القادمة ستكون ضد (حزب الله). ومن هنا تأتي ضرورة إقامة قاعدة خلفية".
     يُضاف إلى ذلك مشكلة السكان السنة في الأرض العلوية ولاسيما في اللاذقية، لأن السنة هم الأغلبية في هذه المدينة. في حمص، بدأ تطهير الأحياء وتركت العديد من العائلات السنية هذه المدينة. هل ستكون حمص بديلاً عن اللاذقية؟