الصفحات

الثلاثاء، 21 أيار، 2013

(دمشق أكثر قوة تجاه معارضة ضعيفة)


صحيفة اللوموند 21 أيار 2013 بقلم  كريستوف عياد Christophe Ayad

     بإمكان الرئيس السوري أن يشعر بالسرور عمّا يحصل في الجبهتين العسكرية والدبلوماسية. كان جيشه يومه الأحد 19 أيار على وشك استعادة مدينة القصير الواقعة تحت سيطرة التمرد المسلح منذ عدة أشهر، وذلك بعد عدة أسابيع من الهجوم الذي بدأه بمساعدة عدة آلاف من مقاتلي حزب الله الشيعي اللبناني. خلال هذا الوقت، تعمل موسكو، عرّاب سورية على المسرح الدبلوماسي الدولي والمصدر الأساسي لتزويده بالسلاح، بنشاط من أجل المؤتمر الدولي الذي أعلنت عنه بشكل مشترك مع واشنطن. لم يتم تحديد تاريخ وصيغة هذه القمة حتى الآن. ولكن وضع النظام والمعارضة على قدم المساواة، يُمثل نوعاً من التراجع من قبل الدول الغربية إزاء رحيل بشار الأسد، على المدى القصير نسبياً على الأقل.
     ظهرت ثمار العمل الذي قامت به إيران في إعادة بناء الجيش السوري. قام الضباط والمستشارون الإيرانيون بإعادة تنظيم الجيش السوري الذي حصل على تموين مستمر بالأسلحة من روسيا، وبدأ هجوماً واسعاً منذ شهرين ضمن منطق أصبح واضحاً أكثر فأكثر: إخلاء وتأمين العمود الفقري لـ "البلد المفيد" الذي يمتد من دمشق إلى اللاذقية. يربط هذا المحور بين العاصمة والمنطقة العلوية التي تُمثل معقل النظام الذي راهن على الورقة الطائفية منذ بداية الاضطرابات. ضمن هذا المنظور، تُمثل السيطرة على القصير وحمص نقطة اتصال حاسمة وحيوية. من أجل الحفاظ على المنطقة الساحلية والسلسلة الجبلية بمأمن عن أي توغل للمتمردين، ارتكب النظام يومي 2 و3 أيار مجزرتين كبيرتين ضد الفلاحين السنة في بانياس بقريتي البيضة ورأس النبع (100 إلى 400 قتيل حسب التقديرات). كانت ردة الفعل الدولية ضعيفة بالمقارنة مع مجزرة الحولة التي كان أقل حجماً في شهر أيار 2012، واعتبر النظام ذلك كنوع من القبول.
     قام النظام بفك الخناق عن دمشق عبر استعادة قرية العتيبة التي تتحكم بالدخول إلى الغوطة، وكانت المحور المُفضل للمقاتلين المتمردين من أجل اختراق العاصمة. كما استعاد النظام السيطرة على عقدة خربة غزالة التي تتحكم بالوصول إلى الحدود الأردنية، ويواجه المتمردون في هذه المنطقة صعوبة بإقامة منطقة محررة بشكل دائم.
     في الوقت الحالي وربما لفترة طويلة، تخلّى النظام عن شمال وشرق البلد. لقد حاربت آخر القوات النظامية بشراسة في هذه المنطقة على الرغم من الوضع الميؤس منه. شاهدنا ذلك في منطقة الرقة التي احتاج فيه المتمردون إلى عدة أسابيع للسيطرة على آخر القواعد العسكرية فيها، وشاهدنا ذلك أيضاً في دير الزور التي تم فيها تدمير الجسر المُعلّق بشكل مقصود. وما زلنا نشاهد ذلك في حلب التي تسقط فيها المواقع الحكومية بالقطّارة ـ السجن المركزي هو الهدف الحالي ـ ، بشكل يطول فيه النزاع مُهدماً معه المدينة أكثر فأكثر.
     إن ظهور العديد من أفلام الفيديو حول أعمال الترهيب التي يقوم بها المتمردون، يُلقي ظلاً ثقيلاً على المعارضة السورية التي لم تعد نداءاتها مسموعة فيما يتعلق بالتدخل الدولي لحماية المدنيين أو على الأقل إرسال الأسلحة. بالتأكيد، لم يتوصل الإئتلاف الوطني السوري إلى جمع المجموعات المسلحة تحت سلطة الجيش السوري الحر ورئيس أركانه سليم إدريس. بل على العكس، إن نصف المجموعات العاملة على الأرض خارجة عن الجيش السوري الحر. إنها تتألف بشكل أساسي من جبهة النصرة التي أعلنت ولاءها إلى تنظيم القاعدة مؤخراً بشكل أضرّ بمصلحة بقية القوات المتمردة مثل الجبهة الإسلامية السورية (أحرار الشام). فيما يتعلق بالجبهة الإسلامية لتحرير سورية التي تجمع حوالي عشرين كتيبة (مثل كتائب الفاروق ولواء التوحيد ولواء الإسلام)، فإنها لا تعترف بسلطة الجيش السوري الحر إلا بشكل رسمي.
     لم ينجح الإئتلاف أيضاً في تركيز المساعدة الإنسانية بأكملها بين يديه، ولم ينجح في إقامة إدارة فعالة في المناطق المحررة. قال أحد الدبلوماسيين متأسفاً وهو يتحدث عن الرقة بصفتها أولى المناطق المحررة من التمرد: "أخفق الإئتلاف في امتحان الرقة". هذا الإخفاق هو تلميح إلى ما قامت به جبهة النصرة بتاريخ 14 أيار عندما قامت بتنظيم إعدام ثلاثة ضباط علويين في الساحة العامة انتقاماً من مجازر بانياس الواقعة على مسافة 300 كم. لقد أثار هذا العمل الوحشي غضب جزء من سكان المدينة. كما تلوثت صورة المعارضة كثيراً بسبب قضية المتمرد الذي قام بعمل أكل لحوم البشر لجثة جندي حكومي في منطقة حمص. لا يهم إذا كان هذا الحادث معزولاً، وأنه لا يختلف بشيء عن الوحشية اليومية للسلطة منذ حوالي سنتين.
     على الصعيد السياسي، سيطر الإخوان المسلمون من جديد على الإئتلاف منذ استقالة رئيسه معاذ الخطيب، وما زال الإئتلاف مشلولاً، وتتآكله الخصومات والاختلافات الإستراتيجية. لم تنعكس تسمية "رئيس وزراء" غسان هيتو على تحسين فعالية الإئتلاف أو تحسين رؤيته للداخل في سورية.
     كانت فرنسا وبريطانيا تدعوان في شهر آذار إلى تسريع رفع الحظر، ولكن يبدو أنهما تخلّتا عن التوصل إلى تسوية حول هذه المسألة مع اقتراب موعد انعقاد المجلس الأوروبي يومي 27 و28 أيار. كما لم تعد فرنسا تُهدد بالعمل لوحدها فيما يتعلق بتسليح المتمردين،وأصبحت تُفضل العمل ضمن النطاق الأمريكي الأكثر حذراً بوضوح.
     إن قيام وزيري الخارجية الروسي والأمريكي بالإعلان عن المؤتمر الدولي من موسكو يُكرّس بعض التهميش لفرنسا التي جعلت من رحيل بشار الأسد أولوية وشرطاً مسبقاً لأي حل سياسي، حتى ولو أن باريس تُشير اليوم إلى أنها كانت وراء هذه المبادرة التي وُلدت أثناء اللقاء بين الرئيسين الروسي والفرنسي في موسكو بتاريخ 28 شباط.
     يجب الاعتراف بأنه ليس هناك حل عسكري، وأن النظام السوري لم يتفتت، وأن حلفاءه يدافعون عن مصالحه خطوة خطوة. يبدو أن عزلة دمشق تتراجع: لقد تم تبني القرار الأخير غير المُلزم في الجمعية العامة للأمم المتحدة بإدانة النظام بعدد أصوات أقل مما حصل عام 2012. لم تعد الديناميكية تعمل لصالح المتمردين. بل على العكس،  تختبر دمشق هامش مناورتها بشكل مُنتظم عبر الاستفزازات المحسوبة من خلال الأسلحة الكيميائية والتفجير في تركيا. يستطيع بشار الأسد الآن أن يُصرّح كما قال يوم السبت 18 أيار إلى صحيفة Clarin الأرجنتينية: "الإستقالة، تعني الهروب"، مؤجلاً مسألة مستقبله إلى الانتخابات الرئاسية  المرتقبة عام 2014.