الصفحات

الأربعاء، 8 أيار، 2013

(المعضلة الزائفة حول تقديم المساعدة إلى سورية)


صحيفة الليبراسيون 8 أيار 2013 بقلم الباحث في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية EHESS آدم بازكو Adam Bazcko، وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس الأولى جيل دورونسورو Gilles Dorronsoro، والأستاذ في جامعة باريس الأولى أرتور كيسني Arthur Quesnay. دخل كاتبو المقال إلى سورية خلال شهري كانون الأول 2012 وكانون الثاني 2013 وأعدوا تقريراً لمؤسسة كارنيجي للسلام العالميCarnegie Endowment for International Peace بعنوان: (Building a Syrian State in a Time of Civil War)

     بعد عامين من بداية الثورة السورية، تخلّى المجتمع الدولي عن أي أمل بحل تفاوضي. على الرغم من ذلك، تُقدم الدول الغربية مساعدة محدودة جداً إلى التمرد بالإضافة إلى الدعم الدبلوماسي الضروري. بعد ليبيا ومالي، فهم الشعب السوري بشكل سيء هذه اللامبالاة، ويئس من المساعدة على الرغم من سهولة الوصول إلى بلده عن طريق تركيا والأردن حالياً. تقوم دول الخليج على خلفية التنافس الإيديولوجي بتمويل بعض المجموعات المسلحة مباشرة، مما أدى إلى زيادة الانقسام والراديكالية داخل التمرد. يُشجع هذا الوضع بشكل خاص جبهة النصرة التي تعتبر سورية مرحلة ضمن الإستراتيجية الجهادية العالمية.
     يتركز الجدل اليوم حول إرسال الأسلحة إلى المتمردين. رفض الاتحاد الأوروبي هذا الإجراء المتنازع حوله، في حين ازدادت التصريحات الأمريكية دون إعطاء نتائج ملموسة على الأرض. بقي انخراط الغرب محدوداً بسبب الخوف من استخدام السلاح لزعزعة المنطقة كما حصل مع النزاع الليبي، وبسبب الخشية من دعم ثورة إسلامية بشكل غير مقصود. ما زال السلاح الذي حصل عليه التمرد من العدو غير كاف أبداً بشكل يسمح بالوصول إلى مخرج سريع للنزاع. من المفترض أن يكون واضحاً بأن استمرار النزاع هو في مصلحة الراديكاليين ويؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة.
     إن هذه الطريقة في طرح النقاش تقف عائقاً أمام عنصر أساسي يسمح بالخروج من هذه المعضلة الزائفة. في الواقع، يتقدم التمرد بشكل منتظم على الأرض، وأصبح سقوط النظام محتملاً في النهاية. لقد تشكلت مناطق محررة ولاسيما في شمال سورية، وظهرت فيها المجالس المحلية، وتعمل المحاكم فيها منذ الصيف. ما زالت هذه المؤسسات ضعيفة، ولكنها أصبحت أكثر استقلالية بالمقارنة مع المجموعات المسلحة التي تتجمع في وحدات أكبر حجماً وأكثر مركزية. من الممكن أن تُشكّل مجموعة هذه المؤسسات نواة دولة مستقبلية، ولكن التمرد يحتاج إلى الوسائل في اقتصاد دمّرته الحرب ويواجه ملايين اللاجئين والنازحين.
     لاحظنا في فصل الشتاء الصعوبات التي يواجهها السكان في التدفئة والمعالجة على الرغم من قرب الحدود التركية. يحتاج التمرد إلى مساعدة أكبر لإعادة بناء الجزء المُحرر من البلد، فقد توقفت دمشق عن دفع رواتب الموظفين المُقيمين في المناطق المحررة. كما أن التمرد ليس لديه موازنة لإبقاء الخدمات العامة الناشئة مثل: جمع القمامة والمدارس والمستشفيات وتوزيع الخبز وإصلاح البنى التحتية الكهربائية والطرقات. بالإضافة إلى ذلك، إن تقديم مساعدة خارجية لا يطرح أي مشكلة فنية أو سياسية كبيرة. إن التوافق السياسي حول مساعدة مدنية ممكن جداً، ولاسيما داخل الاتحاد الأوروبي، نظراً لعدم الحاجة إلى أجانب يعملون مع المنظمات غير الحكومية لأن الشعب السوري مؤهل بما فيه الكفاية. أخيراً، يوجد داخل التمرد هياكل تسمح بإيصال الأموال من الخارج وتوزيعها على المستوى المحلي.
     ستكون الفوائد متعددة من بناء مؤسساتي مدعوم بمساعدة غربية. أولاً، ستتحسن صورة الدول الغربية لدى الشعب السوري ولدى الشعوب الإسلامية بشكل عام، في الوقت الذي ينتشر فيه تصور عدائي مبدئي ضد الغربيين. ثانياً، سيؤدي إقامة منظمة مدنية وسياسية إلى تهميش المجموعات الأكثر راديكالية. في الواقع، يرتكز نمو جبهة النصرة بشكل كبير على  الصعوبات التي يواجهها التمرد في إدارة السكان، ولاسيما تأمين توزيع الخبز والغاز. ثالثاً، ظهر أنه من الضروري أن يكون هناك تنظيم مدني جيد، لكي يترافق مع التقدم العسكري في الأشهر القادمة. حالياً، إن سقوط الجزء الذي تُسيطر عليه الحكومة في حلب، دون الحديث عن دمشق، سيطرح عدة مشاكل تتعلق بإدارة السكان. أخيراً، سيؤدي إقامة نظام قانوني بجانب التمرد إلى توحيد السكان حول مؤسسات مُنسجمة وقادرة على مواجهة الإستراتيجية الطائفية للنظام.
     إن هذه المؤسسات الجديدة ستضع حداً لمخاطر الانتقام الحقيقية ضد الأقليات العلوية والدرزية، وتمنح لهم آفاقاً أخرى غير الوهم بالانسحاب إلى منطقة جبلية في غرب وجنوب سورية.