الصفحات

الجمعة، 17 أيار، 2013

(السلطة الخفية لإيران في العراق)


صحيفة الفيغارو 15 أيار 2013 بقلم مراسلها الخاص في بغداد جورج مالبرونو Georges Malbrunot

     تدل الحكاية التالية على العلاقات التي نسجتها إيران بتأني لدى جارها العراقي: ابتسم المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي عند استقباله رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في طهران قائلاً: "وإذا تبادلنا وزيري خارجيتنا؟ تربّى وزيرنا علي أكبر صالحي في مدينة كربلاء الشيعية المقدسة في العراق، ويتحدث العربية بطلاقة. فيما يتعلق بوزيركم هوشيار زيباري، ليست لديه أية مشكلة مع اللغة الفارسية باعتبار أنه عاش عندنا أثناء الحكم الدكتاتوري لعدونا المشترك صدام حسين".
      أصبح النفوذ الإيراني في العراق أقوى من أي وقت مضى بعد مرور عشر سنوات على تحرير العراق من قبل تحالف بقيادة الولايات المتحدة. تغيرّت طبيعة هذا النفوذ بعد انسحاب الجنود الأمريكيين في نهاية عام 2011. تحول الدعم بالأسلحة الذي كان حرس الثورة يُقدمها إلى الميليشيات الشيعية لمحاربة القوات الأمريكية إلى سلطة نفوذ أقل ظهوراً بالتأكيد، ولكن بالفعالية نفسها، لدرجة فرض قرار أو منع قرار آخر إذا كان مُعارضاً للمصالح الإيرانية. إنها قوة ناعمة عبر الوسائل السياسية والاقتصادية والدينية التي ما زالت تميل نحو الهدف نفسه: أي أن يكون هناك شيعة أقوياء في عراق ضعيف، وألا يصبح مرة أخرى تهديداً كما فعل صدام حسين مع إيران عندما أعلن الحرب عليها عام 1980.
     أكد رئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي قائلاً: "إنه تدخل إستراتيجي". إنه يعرف بعض الأشياء باعتبار أنه كان أحد الضحايا الأساسيين للنفوذ الإيراني. لقد انتصرت لائحته الانتخابية (العراقية) في الانتخابات التشريعية الأخيرة عام 2010، وكان من المفترض منطقياً أن يكون رئيس الحكومة. ولكن إيران رفضت ذلك بشكل قاطع، وقالت أن "علاوي خط أحمر". إنه يتصف بعيوب غير مقبولة بالنسبة للإيرانيين: أي أنه مّقرّب من أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية، وهو من أنصار إعادة دمج الكوادر البعثية التي تم إبعادها من الجيش وأجهزة المخابرات والإدارة العامة بعد سقوط صدام حسين. يحرص السفراء الإيرانيون الذين عملوا في العراق منذ عام 2003 على إقصاء حزب البعث بلا هوادة، وجميع هؤلاء السفراء كانوا أعضاء سابقين في حرس الثورة. ولا يهم إذا كان إياد علاوي شيعياً مثل السلطة في طهران، لأنه شيعي علماني، وهذا لا يتطابق مع الحكم الديني الإيراني.
     اتهم علاوي قائلاً أن "الإيرانيين يوزعون الأموال في العراق، ويمارسون الترهيب والدعاية الإعلامية المُضللة وينظمون تهريب النفط" سواء في الجنوب الشيعي أو الشمال الكردي، ويُغمض المُستبدين المحليين الأكراد مسعود بارزاني وجلال طلباني في الشمال عيونهم، لأن المصالح التجارية تفرض نفسها.
     أدت العقوبات الدولية ضد إيران إلى تعزيز نفوذ طهران في العراق، وأصبحت بلاد الرافدين الساحة الخلفية والمفيدة لرجال الدين. في المجال المصرفي على سبيل المثال، كثفت إيران علاقاتها مع المؤسسات العراقية بهدف التخفيف من تأثير العقوبات. أكد أحد التجار الذين يحظون بالرضى في إيران ولدى الشيعة العراقيين قائلاً: "إن الكثير من الشركات العراقية التي تستجيب لطلبات عروض الأسعار في قطاع المشتقات النفطية والبناء والكهرباء والطاقة هي في الحقيقة شركات إيرانية مع عراقيين في الواجهة".
     في مثل هذه الظروف، ليس غريباً الإلتقاء برجال أعمال إيرانيين في فنادق بغداد. ما زال هذا الجار القوي يُمثل الشريك الإقتصادي الثاني للعراق، ويُصدّر له ما قيمته سبعة مليارات دولار سنوياً. تنتشر سيارات الأجرة الصفراء اللون والإيرانية الصنع من طراز Saïpa في الشوارع المزدحمة داخل العاصمة العراقية. تؤكد الوشايات أن عمار الحكيم، رئيس أحد الأحزاب الشيعية العراقية المُقيمة في إيران أثناء الحكم الدكتاتوري، يقف وراء هذه الصفقات التجارية الرابحة بين البلدين. تفاجأ أحد رجال الأعمال الفرنسيين في جنوب بغداد برؤية حوالي خمسين عاملاً إيرانياً يعملون مع شريكه العراقي الذي يرتبط مع شركة إيرانية.
     تستفيد إيران من هذا التبادل التجاري بشكل كبير، وتبيع المنتجات الرخيصة الثمن إلى العراق على الرغم من احتمال غضب المنافسين المحليين. لا تنشط طهران فقط في المناطق الشيعية بالجنوب الذي نرى فيه أحياناً صور خامنئي، بل يسعى وكلاؤها أيضاً إلى بناء المدارس في المناطق السنية الشرقية في الأنبار قبل أن يبدأ التمرد في هذه المنطقة ضد المالكي. ولكن رؤساء القبائل يرفضون بجفاء اليد الإيرانية الممدودة. قال أحد الدبلوماسيين في بغداد: "كانت جوازات سفر بعض الإرهابيين الذين قُتِلوا في الأنبار تحمل تأشيرة دخول إيرانية. يشتبه السنة بأن إيران تُصدّر السلاح والمخدرات إليهم".
     تحرص طهران بشكل خاص على قطاع النفط الذي يُمثل البقرة الحلوب في العراق. يتم ذلك بفضل نائب رئيس الوزراء المكلف بمسائل الطاقة حسين شهرستاني، وهو من أصل إيراني. لا مجال لأن يعود العراق من جديد بلداً مُصدّراً للنفط ومُنافساً لإيران. أكد أحد خبراء النفط في بغداد أنه منذ عام 2003 "اختار العراق خيار الحد الأدنى في تطوير نفطه بفضل عقود خدمة بدلاً من عقود تقاسم الإنتاج بتأثير إيراني". إن من مصلحة إيران إعاقة تبني قانون نفطي لكي تمنع العراق من تحقيق هدفه بانتاج ثمانية برميل نفط يومياً، وتقوم بذلك عن طريق نقاط اتصالها السياسية في البرلمان.
     تبقى الأغلبية الشيعية في العراق (55 % تقريباً) هي الهدف المُفضل للبراغماتية الإيرانية، حتى ولو أدت هذه البراغماتية إلى إقناع عدد أكبر من الناس. تُريد إيران توحيد الشيعة من أجل تحويل تفوقهم السكاني إلى أغلبية في البرلمان وبالتالي في الحكومة. قال أحد سكان بغداد مُتهكماً: "شكراً للأمريكيين الذين حملوا معهم الديموقراطية إلى العراق"، وأشار إلى أنه لا يُصدّق بأن الولايات المتحدة قدّمت بلده إلى عدوها اللدود. إن نقاط الاتصال الإيرانية مع رؤساء الأحزاب الشيعية هم: نوري المالكي وعمار الحكيم والإمام الشاب مقتدى الصدر الذي استقبلته إيران عام 2007 عندما تعرض لضغوط كبيرة في العراق. ذهب مقتدى الصدر آنذاك إلى إيران للدراسة في المدرسة الدينية بمدينة قم الإيرانية، ثم عاد إلى الكوفة بالقرب من النجف. إن مقتدى الصدر ليس بيدقاً إيرانياً، ولكنه يبقى تحت السيطرة.
     قام مقتدى الصدر بعد رحيل الأمريكيين بتفكييك ميليشيته جيش المهدي التي قامت إيران بتدريبها بشكل جزئي. ولكن بعض المرتدين أرادوا مواصلة المعركة، وتم استيعابهم في قوة القدس، الذراع المسلح لحرس الثورة الإيراني خارج إيران. هذا هو العامل القوي الآخر للنفوذ الإيراني في السياسة العراقية: إنهم الأعضاء السابقين في الميلشيات الذين استقبلتهم الجمهورية الإسلامية أثناء الحكم الدكتاتوري، ودرّبتهم، ثم ضمتهم إلى  القوات الأمنية في العراق الجديد الذي يُهيمن عليه الشيعة. يبلغ عدد الذين انضموا إلى الجيش والأجهزة الأمنية والشرطة حوالي 15000 رجلاً، وبشكل خاص الأعضاء السابقين في قوة بدر التي حاربت مع إيران ضد العراق خلال حرب الخليج الأولى. من يُطيعون اليوم؟ هل قطعوا علاقاتهم مع مموليهم القدماء؟ أو هل أصبحوا عملاء مزدوجين يُخشى منهم؟
     قام الإيرانيون بإعادة توزيع مواقعهم بعد الانسحاب الأمريكي عن طريق إنشاء الميليشيات، أي إنشاء حزب محلي على غرار حزب الله اللبناني، تحسباً لامتناع السلطة في بغداد عن الطاعة. لأنه يوجد حذر تاريخي بين الشيعة الفرس والشيعة العرب، مما يُعرقل أي تقارب. قال (محمد)، أحد سكان النجف، أثناء زيارته إلى بغداد: "نحن لا نُحبهم، يوجد حاجز بيننا وبينهم". وذكّر بأن الأماكن المقدسة الرئيسية للشيعة تقع في العراق، وأن المقاربات مختلفة فيما بينهم. يدعو الشيعة العراقيون إلى فصل الدين عن السياسة، في حين تُطبق طهران بشكل صارم مبدأ ولاية الفقيه الذي يعطي الأولوية إلى الروحانيات. لا يستطيع (محمد) تجاهل أربعين ألف من الحجاج الإيرانيين الذين يزورون الأماكن الشيعية المقدسة في النجف وكربلاء شهرياً. إنهم حجاج ومستثمرون وجواسيس...
     يُقال أن إيران تنوي وضع أحد رجالها مكان أهم وأكبر شخصية شيعية في العراق آية الله علي السيستاني الذي يتمتع بنفوذ كبير على الشارع. عاد وزير العدل السابق هاشمي شهرودي للإقامة في النجف، ولكن الشيعة العراقيين لا يريدونه. يجب على إيران أن تسحبه. لا تستطيع طهران أن تفرض خياراتها دوماً. شاهدنا ذلك عندما كان الشيعة العراقيون عاجزون عن توحيد قوائمهم في الانتخابات التشريعية الأخيرة كما كانت تطلب إيران. ولكن الإيرانيين يستطيعون اليوم إجبار المالكي على قبول تحليق الطائرات الإيرانية باتجاه سورية وحتى إرسال قوافل الأسلحة برّاً إلى دمشق. وأكد أحد المثقفين في بغداد قائلاً: "هدد الإيرانيون أيضاً مسعود بارازاني بإشعال الحرب مع كردستان العراق، إذا استمر بمساعدة إخوانه الأكراد السوريين".
     أكد وزير عراقي سابق أنه "إذا كان المالكي قد وافق على دعم إيران وبشار الأسد، فإن ذلك كان مقابل الحصول على دعم طهران في تنافسه مع بقية القادة الشيعة". إن نوري المالكي بدوره ليس دُمية بين أيدي الإيرانيين، ولكن أحد السفراء العرب حذّر قائلاً: "يشعر جميع المسؤولين الشيعة، سواء كان المالكي أو الصدر أو السيستاني، بأنهم محاصرون من قبل دول الخليج السنية. إن الوقت غير مناسب الآن بالنسبة لهم للتخلّي عن إيران".