الصفحات

الأحد، 19 أيار، 2013

(سورية: هؤلاء المقاومون بالرداء الأبيض)


مجلة النوفيل أوبسرفاتور الأسبوعية 16 أيار 2013 بقلم مراسلتها الخاصة في حلب غارانس لوكين Garance Le Caisne

     تعرّض جرّاح الأنف والأذن والحنجرة أنس نجيب للإصابة بقذيفة انفجرت بجانب سيارته على بعد حوالي مئة متر من المستشفى الذي يعمل به في أحد الأحياء التي يُسيطر عليها المتمردون في حلب. طلب المساعدة وصرخ دون أن يأتي أحد لمساعدته، ثم تذكّر أن قوات النظام تُطلق قذيفتين بشكل شبه دائم: الأولى لكي تقتل، والثانية لإبادة رجال الإسعاف. انتظر قليلاً، ولم تسقط القذيفة الثانية، ثم وصل الإسعاف. في مساء اليوم نفسه، أعلن تلفزيون الدولة السورية مقتل طبيب كان يُعالج "الإرهابيين"، كما يصف نظام بشار الأسد المتمردين والمتظاهرين. لم يُقتل أنس نجيب، ولكنه أصيب بذراعه اليسرى، ولم يعد قادراً على ممارسة الجراحة.
     لم يسبق أن قام قادة بلد في حالة حرب باستهداف الأطباء. أشار اتحاد المنظمات السورية للإغاثة الطبية (UOSSM) إلى مقتل أكثر من 110 طبيباً خلال سنتين، واعتقال 1900 آخرين إذا أضفنا الممرضين ورجال الإسعاف. إن قتل طبيب هو رسالة ترهيب إلى المتمردين: إذا ذهبتم إلى المعركة، وتعرضتم للإصابة بجروح، لن يتم معالجتكم، وهذا أسوأ من الموت. قال أنس نجيب: "نحن نعالج الجميع، ونرفض العنف الطائفي الذي جرّنا إليه بشار".
     تغير شيء ما لدى أنس نجيب منذ الحادث الذي تعرّض له في حلب في فصل الخريف. هناك انطباع بأنه أصبح هادئاً ومُصمماً في الوقت نفسه. كان يتحدث في الصيف الماضي بأمل عن الثورة، وكان يقول بأنه قضى على المحسوبيات في المستشفيات المُحررة من طغيان عائلة الأسد. ولكن القضية اليوم لم تعد مسألة عدالة اجتماعية، فقد انحرفت الثورة، وكان الأطباء الموجودون في الخط الأمامي شاهدين على مجزرة أكثر فأكثر وحشية. يعمل أنس نجيب طوال وقته من أجل تنسيق إقامة نقاط الإغاثة الطبية. يتم إنشاء مراكز المعالجة الطبية بشكل ارتجالي في المناطق الحكومية ومناطق المعارضة، وتنتقل باستمرار من قاعة مدرسية إلى قبو الأبنية إلى الفيلات الُمرممة أو العيادات الخاصة المهجورة حسب تقدم المتمردين وقصف الجيش النظامي. إنه نظام صحي موازي في بلد دُمّرت فيه 60 % من المؤسسات الصحية نقلاً عن منظمة الصحة العالمية (OMS).
     تُمثل حكاية (مقدام) حالة عامة في جميع أنحاء سورية من دمشق إلى الجنوب وإلى دير الزور. إنه شاب عمره 28  عاماً، وكان ممرضاً في أحد المستشفيات العسكرية في العاصمة. شاهد خلال المظاهرات السلمية في الأشهر الأولى من الثورة أشخاصاً يدخلون المستشفى بسبب جروح بسيطة ويخرجون منه بالكفن. وتعرض آخرون للتعذيب أمامه لأنهم يُعاملون كإرهابيين. هرب (مقدام) بتاريخ 1 آذار 2012، وذهب إلى منطقة دير الزور التي تتحدر عائلته منها. افتتح هناك مركزاً لتقديم الإسعافات الأولية في غرفة داخل منزل قديم بإحدى الأحياء التي يُسيطر عليها الجيش النظامي. قال (مقدام) الذي يحمل اسماً مستعاراً مثل جميع زملائه من الآن فصاعداً: "كنا نلبس قناعاً لكي لا يستطيع المتظاهرون الذين نعالجهم  الإبلاغ عنا في حال اعتقالهم". عندما أصبح الحي تحت سيطرة المتمردين منذ شهر حزيران، نزع الأطباء الأقنعة. ولكن الخطر أصبح يأتي من السماء، لأن الجيش حاول عدة مرات قصف المستشفى انتقاماً من تقدم المتمردين.
     إن 80 % من الجرحى في المراكز الصحية الخفية هم من المدنيين. اعترف الطبيب (إبراهيم) أنه "لم يتعلم معالجة إصابات الحرب" مثل الأجساد المثقوبة أو الممزقة أو المحروقة، وأضاف أنه  هناك نقص في الاختصاصين. يقوم هذا الطبيب بإدارة مستشفى سراقب الذي تم افتتاحه في بداية شهر كانون الأول في فيلا مهجورة بنوافذ مكسرة، ويضم 15 سريراً. يصل الضحايا إلى هذا المستشفى من حلب وإدلب وحماة وحتى حمص. لا يوجد في المستشفى وحدة عناية مكثفة ولا جهاز للتنفس أو جهاز أشعة، ولكن يوجد ثمانية أطباء. يبقى هذا المستشفى أفضل من نقاط الإسعاف التي يعمل بها طلاب الطب، وأحياناً أطباء أسنان أو صيادلة. يضطر الأطباء إلى بتر الأعضاء للحفاظ على حياة الجرحى بسبب عدم وجود غرفة إنعاش أو سكانر. كيف يمكن الاعتقاد بأن هؤلاء الرجال الذين عاشوا كل هذا الرعب، لن يكونوا مسكونين بهاجس الانتقام؟
     وصل مريض غير عادي إلى المستشفى صباح هذا اليوم، إنه أحد رجال الشبيحة، وهو مُصاب برصاصة اخترقت فكّه. تم اعتقاله أثناء المواجهة بالقرب من قرية (كفريا)، وهي قرية صغيرة مؤيدة للأسد ضمن منطقة واسعة يُسيطر عليها المعارضون. قال رئيس أحد الكتائب: "أنا غالي على عائلتي، وهو غالي على عائلته". الجريح له قيمة، لأنه يمكن مُبادلته بعد معالجته مع أحد المتمردين المُعتقلين في الجانب الآخر. ولكن في اليوم التالي، دخلت حفنة من المقاتلين، وسحبت الجريح من غرفته، وقتلته. ساد الرعب في المستشفى، وانتشر الخبر في بقية الغرف. كان طبيب الإسعاف (وسيم) غاضباً جداً، ويشعر بالعار. إنه يعرف رئيس هذه الكتيبة الذي كان تاجراً قبل الحرب، وذهب لمقابلته في معقله على مسافة ساعة من الزمن، وقال له: "لا يمكنك السماح بذلك". أكد رئيس المتمردين أنه لم يستطع السيطرة على بعض رجاله الذين عرفوا بأن عملية تبادل الرهائن لم تعد ممكنة بسبب مقتل السجين المتمرد. لقد أراد أقاربه الانتقام.