الصفحات

الثلاثاء، 14 أيار، 2013

(سورية، من التمرد إلى التمزق)


صحيفة اللوموند 14 أيار 2013 بقلم الباحث في مجموعة الأزمات الدولية بيتر هارلنغ Peter Harging الذي عاش في سورية بين عامي 2006 و2011 وما زال يذهب إليها بشكل منتظم، والصحفية سارا بيرك Sarah Birde التي عاشت ثلاث سنوات في سورية، وتقوم بتغطية أخبار سورية لصالح مجلة The Econimist وتقوم بزيارات ميدانية منتظمة.

     كان هناك أسلوب لأن يكون المرء سورياً وأن يكون فخوراً بذلك. كان هذا الفخر يستند على تاريخ يعود إلى الأبجدبة الأولى، وإلى ثقافة ولغة مُنمّقة، وإلى آداب السلوك التي تم التعبير عنها بأساليب بارعة، وإلى مطبخ شهي وحسن الضيافة الصادق. لم تكن الجغرافية السياسية بعيدة عن ذلك، باعتبار أن سورية عرفت كيف تعطي نفسها دوراً أكبر بكثير مما كان يجب أن تسمح به مواردها المتواضعة.
     كان الفخر بأن يكون المرء سورياً أمراً بديهياً وطبيعياً لدرجة أنه سمح بامتصاص الموجات الأجنبية. بالتأكيد، لم يكن التوتر غائباً بين السوريين واللاجئين الفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين. ولكنها بقيت محدودة جداً بالنظر إلى عدد اللاجئين والمناخ الطائفي الذي كان يُلقي بظله في كل مكان بالمنطقة. كان المجتمع السوري مرتاحاً بما فيه الكفاية، وواعياً بنفسه لكي ينفتح على الأخر بدون تشنج.
     تداعى النسيح الاجتماعي اليوم إلى أنقاض. لم تنجوا القوى الحية للأمة من المجازر التي تسببت بعشرات الآلاف من الضحايا، وهم مجرد مواطنين عاديين يتحلون بشجاعة مثالية. ما زالوا بالنسبة لنا أشخاصاً مجهولين، ولكن بالنسبة لأقاربهم هم آباء وأصدقاء وجيران مفقودين. إن أكثر ما يعاني منه السوريون في هذه المحنة القاسية هو الإهانة التي تُضاف إلى مأساتهم. هناك عائلات محرومة تعيش بصعوبة بين الأنقاض. إن عبورها للحدود لا يعني نجاتها. لا شك أن الدموع التي يذرفها المجتمع الدولي أكثر من موازنات المساعدة الإنسانية.
     سيتوقف العنف يوماً ما. يجب إعادة صنع كل شيء في بقايا هذه الأمة، ولن يكون هناك شيء أصعب من إعادة بناء هذا الشعور بالفخر الوطني. قام النظام والمتعاطفون معه وحلفاؤه بالتضحية مُبكراً جداً بكل الاعتبارات الأخلاقية. ولحقت بهم المعارضة تدريجياً، وأعطت المشروعية لتجاوزاتها الخاصة عبر بربرية خصمها. تنظر المعارضة إلى النظام بوصفه "قوة احتلال"، وتنسب إلى العلويين صفة "الأجنبي". بالنسبة للمؤيدين، يريدون الاعتقاد بأنه يقاتلون غزواً من حشود الجهاديين.
     لم يكن النزاع مُتعادلاُ أبداً. وضع النظام جميع وسائل الدولة في خدمة المواجهات الدامية للأجهزة الأمنية. انجرّت المعارضة في هذا الإعصار. قام البعض بتخريب ما هو أكثر من رموز السلطة مثل: الأبنية السكنية الفاخرة والمدارس وأماكن العبادة. إن تكاثر الإسلاميين وغريزتهم بالهيمنة لم تُلائم الأقليات والعلمانيين. يبقى أن النظام بادر دوماً إلى التصعيد.
     الكرامة هي عنصر مُميّز آخر. اختار المؤيدون عدم رؤية بديهية أن وحشية السلطة لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الكارثة. وهكذا، كان أي ضعف أو عيب في المعارضة يظهر أمامهم واضحاً للعيان. إنهم في تبريرهم للنزاع يعتبرون النظام بريئاً من معاناة المجتمع. خلقت انحرافات المعارضة شعوراً جديداً للفخر بمحاربتها، وذلك من خلال العمل على أن تُصبح الحركة الشعبية تمرداً إسلامياً يرتكز على مؤامرات خارجية، أعطى النظام إلى قواته عدواً جديراً بهذا الاسم.
     انتهت لحظة العفو عند الشباب الذين منحوا الورود إلى الجنود. فرضت موازين القوى الداخلية الاستعانة بأطراف خارجية لا تتصف إطلاقاً بالحيادية داخل العقل الجماعي. ولكن يوجد لدى المعارضة شيئاً لم تنجح العواطف المُدمرة بالسيطرة عليه: إنه نوع من الصحوة الموجودة منذ البداية. إذا كان السوريون قد خاطروا بالنزول إلى الشوارع، فإن السبب هو أنهم كانوا فخورين بعدم إحساسهم بالخوف.
     كانت هذه الغريزة الجماعية هاجس النظام. لقد خبت هذه الغريزة مع غرق الناشطين السلميين وبروز الراديكاليين والمجرمين. ولكنها تُقاوم من شدة اليأس، والمعارضة مسؤولة أمام قاعدتها أكثر من مسؤولية النظام أمام قاعدته. أدت عمليات التفجير التي قام بها الجهاديون إلى الاستنكار داخل الأوساط المعادية للنظام. تركت الصواريخ البالستية وجوه المتعاطفين مُتحجرة. يقتصر برنامج النظام بالنسبة لأنصاره على سحق العدو. يجب على المعارضة إرضاء تطلعات أكثر طموحاً بكثير، حتى ولو تحول سقوط الرئيس بشار الأسد ونظامه ومؤيديه إلى هاجس يستحوذ على البعض.
     الأمر الأكثر إثارة للتهكم في هذا النزاع هو أن السوريين متفقين أكثر مما نعتقد. إنهم يشتمون أولئك الذين يرفضون إدراك أن نظام استبدادي سيكون أفضل من معارضة مُجزأة، أو العكس. ولكن عندما نسألهم عمّا يتمنونه من أجل سورية، فإنهم يتحدثون عن مجتمع مُوحّد ومُتسامح في تنوعه، ودولة عادلة وتتمتع بالصفة التمثيلية. إن الهلوسة الجهادية بإقامة إمارة إسلامية ليست موجودة إلا لدى بعض الفئات الهامشية، وقلّة نادرة من المؤيدين يتطلعون إلى نظام استبدادي أبدي.
     يُعبّر المؤيدون لبشار الأسد في الجلسات الخاصة عن انتقادات مشابهة لأولئك الذين يقتلونهم: عائلة الأسد فاسدة وغير مبالية بمصيرهم. إنهم يودون خدمة دولة مسؤولة بدلاً من نظام يدّعي المسؤولية، ولكنهم يعرفون أكثر من أي شخص آخر الحقيقة المُخزية. عندما يظهر خطأ حججهم، يبررون أفعالهم بتشبيهها مع أفعال خصومهم.
     إن الذين لا ينظرون إلا عبر منظارهم يتشابهون بكل شيء. إنهم المُعذبون على الأرض، طبقة بروليتارية ريفية يتحدر منها والد بشار الأسد، ولكن النخبة السياسية الجديدة الأكثر حضرية وتمدناً تركت هذه الطبقة تسير على غير هدى. إن المقاتلين المؤيدين، سواء كانوا علويين أم لا، يعيشون في الظروف نفسها التي يعيشها مقاتلو المعارضة، أي في الأحياء المخالفة التي تمثل ثماراً عشوائية للهجرة من الريف.
     إن الشعب العلوي الفقير يتشارك بالصفات الاجتماعية ـ الاقتصادية نفسها مع نظيره العربي السني الذي يُمثل المُكوّن الأساسي للمجتمع السوري. لقد انضم بأعداد كبيرة إلى الاجهزة الأمنية لعدم وجود بديل أفضل. إن الامتيازات والفساد ونفوذ البعض أخفت الجزء الأكبر من جيش العبيد. انخرطت البروليتاريا العربية السنية في الحزب والشرطة والجيش، في حال عدم اختيارها مهن الفقراء الأخرى. يحمل الكثير من الشباب السلاح حالياً، ولكن ليس الجميع ضد النظام. من الممكن أن نرى في العائلة نفسها شهداء لدى الطرفين.
     إن الغموض السائد في الوسط العلوي يجد مثيله داخل أزمة الهوية في صفوف المعارضة. استلهم الناس البسطاء أفكارهم من "الربيع العربي"، وتحدّوا نظاماً لم يكونوا يتصورون أن هياكله بهذه الصلابة. تأثر المعارضون المغتربون بهؤلاء الناس البسطاء دون الاهتمام بتحديد الطريق الصحيح، لأنهم كانوا يراهنون على الحلول القادمة من المجتمع الدولي بشكل خاص. امترجت العسكرة والجريمة والراديكالية والإسلاموية، وانطلقت في وسط يُهيمن عليه سكان الريف الذين اندمجوا بالمدينة بشكل سيء. ارتسمت ملامح الحل الأسوأ في متاهة هذه الثورة بسبب الطرق المسدودة.
     كما هو الحال بالنسبة للعلويين الذين يُقاتلون باسم دولة ترفضهم، تنادي المعارضة بطموح يتناقض مع المكانة المتزايدة لعقيدة مُتحيّزة ومستوردة. من السذاجة الإدعاء بأن الجهاد هو تكتيك مؤقت. يؤكد ضباط الأمن أيضاً أن قسوتهم أمر شاذ وأن كل شيء سيعود إلى طبيعته قريباً. في الحقيقة، كانت تطلعات المعسكرين معتدلة في البداية، ثم انزلقوا نحو التطرف. لن تتغير هذه الديناميكية بسهولة.
     بالتأكيد، لم يكن بإمكان النزاع أن يأخذ هذا البُعد بدون الدور المُشجّع للعامل الخارجي. لم يكن بإمكان بشار الأسد الاعتماد على جيشه الضعيف لولا دعم روسيا منذ بداية عام 2012. لا شك أنه كان يجب عليه القبول بتسوية. كانت المعارضة من جهتها  ستُفكر مرتين قبل حمل السلاح لولا وعود حكوماتنا بالدعم.
     من الممكن أن يكون تدمير دمشق هو الخطوة القادمة في هذا السقوط إلى الجحيم. تتقدم المجموعات المسلحة المعارضة منذ بداية العام في السهل الضيّق الذي يفصل بين الأردن والعاصمة. ولكن الأمل بمعركة حاسمة تضع حداً للمجزرة أصبح من ذكريات بداية النزاع.
     تغيّرت ديناميكية النزاع بعد هجوم  المتمردين على حلب في شهر تموز 2012: سيجرف تدمير المدينة ما تبقى من القضية المشتركة بين المعسكرين. تستولي النظرة العدمية على العقول، ومن الممكن أن تكون المُنتصرة الوحيدة إذا لم يُقرر المجتمع الدولي إعادة الطرفين إلى جادة الصواب.
     الملاحظة الإيجابية الوحيدة هي أن جميع هذه الجروح لم تتمكن من القضاء على العفو الذي ما زال يشعر به المجتمع. هناك تضامن إنساني رائع على الرغم من أن تزايد الاحتياجات طغت عليه. إذا سنحت الفرصة لهذا المجتمع، فسوف يستعيد عافيته بلا شك.
     مضى على النزاع 787 يوماً. إن "أصدقاء" سورية هم لعنتها وهلاكها: الولايات المتحدة وروسيا وقطر وإيران والسعودية والعراق وتركيا وحزب الله، جميعهم يدّعون أنهم لا يريدون إلا الخير إلى سورية، يجب عليهم أن يُضحوا بمصالحهم الأنانية. تتغذى هذه المأساة من موازين القوى الدولية التي ستُحدد مصير هذا النزاع. لم يعد السوريون يُسيطرون على معاناتهم في صراع لا يشبههم بقدر ما يُشوههم. من صراع واعد إلى غصّة سورية.
الاضطراب العميق للعلويين
     أولئك الذين كانوا يقمعون الأزمة في بدايتها، يعترفون بها أيضاً. كانت المطالب تُعبّر عن شعور بالارتهان تجاه نخبة فاسدة. إن العديد من أولئك الذين أصبحوا "مؤيدين" كانوا ينتظرون من المعارضة أن تُقنعهم بالبديل. لو كان الاحتجاج سلمياً، كان من الممكن أن تُغيّر الأجهزة الأمنية موقفها. ولكن هذه التعبئة لا يمكن أن تكون إلا كارثية في مجتمع محروم من أي تجربة سياسية. تعزز هذا التطور بسبب تصميم النظام على انتصار الفوضى من خلال تحريك المخاوف الطائفية، ولاسيما لدى العلويين الذين وقعوا في فخ التاريخ.
     ابتعد العلويون مُكرهين منذ النصف الثاني من القرن العشرين عن أسلوب حياتهم تحت الحكم العثماني. نزلوا من الجبال الشمالية ـ الغربية، وبدؤوا ارتقاءهم في مدن الساحل ووسط سورية، وانتقلوا من حالة الرقيق إلى موظفي الدولة. منح الإصلاح الزراعي الأراضي إلى الفلاحين الذين لا يملكون أرضاً، واختفى بيع الفتيات إلى العائلات الغنية في سورية ولبنان. يخشى العلويون من تغيّر اتجاه عملية الانعتاق.
     إن هذا الخوف مبني على هشاشة تطور بدون اندماج. إنهم موجودون بشكل مُبالغ به في الإدارة الحكومية ووسائل الإعلام والمؤسسات الهامة مثل الأجهزة الأمنية. على الرغم من أن بشار الأسد مدّ يده إلى الأغلبية العربية السنية، فإنه أكد الطابع الطائفي للنظام وتفشي الفساد بين المقربين منه، الأمر الذي جعل من سورية شركة عائلية. لقد تم استيعاب العلويين في وهم الدولة أكثر من استيعابهم في المجتمع المدني. لقد انفصلوا عن جذورهم، وبنوا هوية تطالب بالانتماء إلى الحداثة. يُخفي الكثير منهم لهجتهم، ويتبنون نمط حياة المدينة. تبدو فكرة العودة إلى القرية كقفزة إلى الوراء، ومشروع الدولة العلوية الصغيرة هو في الحقيقة لبث الخوف.
     إن الطائفة العلوية ليست المشكلة المركزية في هذه المأساة السورية. إن "تشييع" العلويين تحت حكم حافظ الأسد و"تسنينهم" تحت حكم ابنه، أدى إلى إرباكهم. فرضت عائلة الأسد نفسها على حساب النخب العلوية. كما فضّل بشار الأسد رجالاً تابعين لا يتمتعون بالكفاءة ولا يحظون بالاحترام، على حساب كبار قادة الجيش والاستخبارات الذين كان يعتمد والده عليهم.
     إن هذا الاضطراب العميق هو سرّ مُقاومة النظام: سيخسر العلويون كل شيء، وليس هناك مكان يذهبون إليه ولا شخص يتبعونه، باستثناء هذا القائد، ويقولون أنهم يُحبونه وفي الحقيقة هم يكرهونه.